.. سليم نقولا محسن ..

إلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم لنخوض مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، كفاحا لا يهدأ حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان

الاثنين، تموز ٣١، ٢٠٠٦

تحية للشعب المقاوم من العراق الى فلسطين الى أرض لبنان

سليم نقولا محسن

- عدوان أمريكا على أرض لبنان، هو استكمال للحرب الهمجية التي سبق أن استهدفت العراق.
- إن فكر المقاومة وأعمالها، هي التجسيد الحي للشعب العربي المقاوم.
- إن تصدي المقاومة في فلسطين، وإلحاقها الهزائم بالجيش الصهيوني على أرض لبنان، هو محاصرة للمشروع الأمريكي، ونصرة للمقاومة العراقية من أجل تحرير العراق.



لا يمكن أن ينظر التوجّه القومي العربي إلى الأعمال الهمجية الجارية بحق شعب لبنان بمعزل عن التطورات الدولية والإقليمية التي تقضي بافتعال الأحداث وإشاعة حالة فوضى تدميرية على امتداد المنطقة من المغرب العربي الى العراق ومن السودان واليمن إلى مصر وفلسطين إلى تركيا وايران، أكانت ملتهبة في بعض البلدان أو ساكنة في بعضها الآخر.

ومن منطلق وحدة المنطقة ومصالحها، وبالمقابل وحدة الأطماع المعادية، لا يمكن أن يَتقَبل هذا التوجه القومي العربي، حتى تكتيكيا، مهادنة العدو الأمريكي في العراق وأفغانستان ومقاتلته في فلسطين أو على أرض لبنان.

وهو ينظر إلى كل الأعمال الجهادية، ضد الظلم الكوني الذي تقود حلفه الولايات المتحدة حيث تتصدى لها المقاومات على تنوع منطلقاتها، على أنها لبوسات متعددة لجسم واحد مقاوم، لن يختلف على مسمياته طلاب الحرية في كل مكان. وعلى هذا فإن أعمال المقاومة في العراق هي ذاتها في فلسطين ولبنان، وأن انتصارها في أي من تلك الأقطار هو مقدمة لاعادة الشرعية إلى دولة شعب العراق وقياداته الأسيرة، وإلى طرد قوى الاحتلال وعملائه، واسترداد ما اغتصب من أراض عربية في فلسطين، وبدء مسار العدالة والحرية والديمقراطية والرفاه للشعوب العربية.

لذا تقضي الضرورة على أن تعود الشعوب العربية إلى العمل الكفاحي، لأن وجود الجيوش الغازية على أرضها استعباد وإلغاء، ولا مساومة على الوطن، ولا حياة لأعدائه.

إن الحلف الأمريكي ما هو إلا قطيع ضباع شرسة، لا ضابط لها، لا يمكن للشعوب أن تتعامل من ضمن منظومتها الإفتراسية، بل عليها أن تجهد لأن تضع حدا لاستباحتها الوحشية لأجساد المستضعفين من بني البشر عبر أعمال الممانعة. وهكذا تبدو المقاومة العراقية أداة لإنهاكها على أرض العراق، كما أن المقاومة البطولية في فلسطين ولبنان، تساهم مرحليا في محاصرتها على أرضها لتحرير العراق أولا.

وهكذا يتوضح أن بين حرفية النص في سفر الرؤيا الانجيلي كما درجت على قراءته وتسويقه الإدارة الأمريكية، "لتعميم المنطلقات الدينية كأساس للصراعات والحروب بين البشروتطبيع مقولاتها في ذهنية الشعوب"، وبين رمزيته في إيمان الكنيسة التاريخي فرق شاسع. يختلف فيه الأبطال، والمكان، والزمان، عن معنى قصة الوحش الذي أورده السفر وسقوط بابل الزانية المجسدة رموزهم "بأمريكا" الآن.

إذ أن القوى الصاعدة للرأسمال الاستثماري العالمي، كانت ترى انتقاء العراق هدفا، بداية ضرورية لتطويع المنطقة وفق مخططاتها. لما ينفرد به هذا القطر من تمايزات، يجسدها وجود كتلة بشرية نشطة فيه على أرض خصيبة، تتوالد فيها نزعة قومية خطرة طامحة في الرفض والتحرير، وذلك في منطقة بالغة الأهمية من حيث الموقع والثروات الاستراتيجية الغنية. وكان الحفاظ على وضع العراق كدولة، منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية وتكوينه السياسي الحديث، بتعدد مذاهبه وإثنياته، يفترض بالضرورة، في أجواء تداخلات الصراعات الدولية الطامعة وجود سلطة قوية، وتماسكا اجتماعيا وطنيا يسمح بالبقاء.

· يا شعبنا العربي : يُقتل الأهل في فلسطين، ويُذبح الأبناء في لبنان، فيُزهر تراب الرافدين جديدا. إن احتفالية الموت المنتشرة شعائرها في بلادنا، لن تكون مجانية، وأجساد الشهداء ليست قرابين أضاحي على مذابح المطامع بل من أجل الوطن. سيحيا الوطن، ويموت الوحش جبّار الأمم الوارد في السفر، ويسود إلى الأبد السلام بين البشر.

إن شعبنا، لم يزل يتعرض إلى حملات طامعة، تمتلك قيادات منفذيها ما تطور من أسلحة الجنون، والقدرات والخبرات على صنع فوضى العصر، ذلك لاستمرار مصادرة ثرواته وأرضه وتاريخه، وإجهاض حلم أبنائه. فحلّ الضياع والموت والتخلف والاضطهاد، ولم تزل نخبه تقاوم. في عام 2003 كان قد قد بدأ دور استعباد شعب العراق على أرض الحضارات، بعد أن أُحرِق طويلا شعبُنا في فلسطين أرض الرسالات، وفي لبنان الأرز فم الأبجدية الناطق بحق الإنسان.

فمنذ الانعطاف الحاد الذي أحدثته التطورات الاقتصادية السياسية الكونية بعد عام 1991، عمد حلف دول العدوان إلى تحميل كلّ الجرائم الذي ارتكبها بحق شعوب العالم على شعب المنطقة المقاوم وشعب العراق ومنظومته السياسية: من أجل أن /تتطهر/ إدارات هذه الدول في موته كأضحية على أرض العرب من السودان والعراق إلى لبنان، فتطهّر الشعب وحده بفعل صموده ولعنها التراب.

· وكانت الإدارات السياسية الإقتصادية الحاكمة في دول الشر قد ابتكرت ادعاءات وقحة مكشوفة لتبرير استخدام جيوشها، وما كانت قد استحدثته من آلات القتل والدمار لتنفيذ عدوانها، بقصد أن ترهب العالم الفقير بداية عبر العراق. وقد تمّ لها ذلك، إذ لم تخض هذه حربا مع انعدام التكافؤ بين القوى بل مجازرا، ذلك بعد أن احتوت هذه الادارات ما يسمى الشرعية الدولية، لتشغيلها لصالحها في خداع الأمم وفي التواطؤ المتآمر على سلب شعب العراق من إمكانات دفاعه المشروعة، لتنفيذ ما خططت له إدارات الشر هذه وعملائها المحليين لتجريده من قياداته عشية العدوان كي يضيع شعب العراق.

وعبر ما ادعته ورددته أنظمة الدول الخائنة التابعة، ونشرته عبر وسائل إعلامها المخادعة، ومن منطق عنصري متكبر ممجوج يقول "بأنها رسالة الإنسانية إلى العالم " من أجل رفع ظلم وبؤس، كانت هي سببه، عن شعب يقدّس أرضه وقيمه، ويرفض ادعاءاتها عن مبادئ لها مزعومة في الحرية والديمقراطية، وهو يشاهد يوميا أبناءا له يُذلّون ويموتون.

هذه المشهديات بأنواعها وحواراتها المعدلة لتناسب الزمان والمكان، يُعاد عرضُها الوقح اليوم على أرض لبنان، مستهدفة قيادات المقاومة وشعب لبنان. لذا فهي قد أعدت لذلك وادخرت في جعبتها أفكارا مضللة، لم تزل تخرج منها مايناسب الحال وتروج لها عبر دعاة مرتزقة هم ذئاب خاطفة تتقنع كحملان، عن "الاثنيات المبادة، والأقليات المضطهدة، وسيطرة مذهبيات، وأديان الظلم المتحجرة، والحضارات الميتة، والشعوب المتوحشة، وأصل الشرور، وصفات الحاكم والمحكوم". كما قَلَبت معاييرَ العقل في مفهوم القيم، وصار السارقُ الخائنُ شريفاً، والقاتلُ شهيداً، والدفاعُ عن تراب الوطن إرهاباً.

وبعد أن تم لهذه الإدارات ما كانت أَعدت للعراق، تقدمت بأفرادٍ التقطتهم ممن سبق أن لفظتهم أرض العراق، كانوا يحلمون باستعادة دور نوري السعيد الخياني عقب ثورة العشرين، بعد أن نسوا ما آل إليه مصيره. ارتبطوا بإدارات الشر وأتمروا بأمرها بعد أن درّبَتهم في أوكارها ضد شعوبِهم، كردّاحين كاذبين، بما أوكل لهم أن يدّعوه من سعي إلى إنقاذ شعب العراق.

* فلم يكن في العراق حينها ما كان قد سمّى معارضة وطنية بالمعنى السياسي لها حريصة على الوطن، فكل الشعب كان ينضوي بشكل أو آخر، في توازن منظومة النظام الحاكم للعراق، بما كان قد شكّل وضع العراق الوطني من استثناء في نجاح تطوره البنائي ببعده القومي: جعلته لسنوات في حالة استهداف، وبالمقابل التفافه حول نظامه، وهذه هي حالة المجتمعات المتخلفة المضطرة لأن تتبع ذات النسق الاقتصادي السياسي لتتقدم.

· فلتحقيق ديمقراطية أي شعب مقومات ترتبط في جذور مجتمعاتها، وآلية عمل مؤسساته المدينية.

وإذ كانت تنتحب الإدارة الأمريكية، بصواريخها، على الديمقراطية في العراق، كانت تتعمد أن تنسى حروبها الهمجية وبأنها من أمكر وأبشع الديكتاتوريات، وأكثرها تسلطا على شعبها والعالم. لكنها كانت تهدف من قذف كل مقولاتها "الإشفاقية الرحومة" إلى إحداث شرخ، بقطع الجذور ليموت شعب العراق، وتعمية العيون عن الأسباب، ليحصده العدوان، كما يحدث الآن في لبنان. فعام النكبة في فلسطين 48 يمتد ثقيلا على الصدور، ويتراءى مولودا جديدا في العراق ولبنان. وما سُطّر من بطولات الشعب العربي عام 56 في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر الذي هدف الى السيطرة على قناة السويس، لم يزل تتكرر روحيته في تشابه فريد. فلا جديد إذن كان في أسباب العدوان، وإنما يتم نقل وتبادل الأدوار.

· فالمتغيرات الاقتصادية، وانقسام الرأسمال الاستثماري المتعاظم في عالم تتعدد أقطابه، وتتناوب في التناحر والتصالح على الغنائم، ورأسمال استثماري مُستقطب، ودولة إمبراطورية ذات طموح متوحش مثل الولايات المتحدة.. تقودها إدارات شركات النفط والسلاح، ترى من الحتمي لها التحكم في مفاصل العالم، وإلى تفكيك الأوطان لأجزاء ترتبط به عبر مشروعها المجنون لأمركة العالم.

هذه كانت الأسباب الحقيقية لاندفاع الجيوش الغازية إلى أرض العراق الناهض، واحتلالها وتدميرها، ومن ثم نهبها مقدمة للتوسع. وأيضا في ما تدعيه اليوم بعدوانها الاسرائيلي على لبنان لاستكمال مخططاتها، فلم يكن العراق يوما ولا شعبه خطرا على العالم، وكذلك لم يكن لبنان. وانما جدلية السلوك الطامع لدول العدوان بما أوجد من انقسامات في المجتمع الدولي أَسقَطت منظومتـَه الدولية وشرعيتـَها والسلامَ العالمي لصالح النظام الجديد. وهذا ما يقود شعوبَ العالم، المرهقة والمهمّشة، إلى التحرك للخلاص من وحشية السلوك الرأسمالي الاستثماري المتعدد الوجوه المتمثل بحاكميها، والى التوحّد مع شعبنا، بعد أن أصبح العالم كله فلسطين ولبنان وعراق، لإيقاف وحش العصر الجديد المتعطش إلى الدماء.

· ولقد كان لتراكم الخبرات النضالية والوطنية لشعبنا، عاملا مكنه من كشف زيف ادعاءات "الغول" الأمريكي البشع، ودفع شعبنا في العراق إلى مقاومة العدوان، وحيث قاد شعبنا في الدول العربية وكل الشرفاء في العالم، إلى مساندة شعب العراق في صموده البطولي أمام العدوان. ان شعبنا مدعو اليوم، على امتداد الوطن العربي بأوسع أطيافه الاجتماعية والعقائدية، إلى الاصطفاف والى التحرك القومي للتسلح بكل الإمكانات المتناسبة مع تفوق القوات العسكرية والتقنية والإعلامية لآلة الحرب المستخدمة، للتمكن من محاصرة ومواجهة أخطر وأخبث هجمة عدوانية تستهدف وجوده. إن الشعب يحيا على أرض الوطن ويبقى، أما أنظمة العار فتزول. فلينتظم كل الشعب أفرادا وجماعات، من أجل العمل الصعب، لإنهاك وشل قدرات العدو ووسائل دعمه في كل مكان. إن أعداء الإنسان لا يستطيعون بشرّهم أن يدمّروا العالم. وأن مؤشرات سقوط الوحش الأمريكي وانهيار(بابل الفاسقة "أمريكا")، قد بدأت مع بداية العدوان على العراق.

· إن شعوب العالم المهمّشة والمضطهدة، بأفعال نخبة الحاكمين في إدارات دول العدوان (وهذه النخبة بمثابة لجنة تنفيذية للرأس المال الاستثماري ومخططاته)، قد نظرت من كل قارات الأرض بإعجاب إلى استمرار مقاومة شعبنا البطولية في تصديه للعدوان على رجاء الخلاص.

فإلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم للعمل مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، ولنخوض كفاحا لا يهدأ، حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان.

تموز 2006

السبت، تموز ١٥، ٢٠٠٦

ايجاز عن طبيعة النشاط التاريخي السياسي لحركة القوميين العرب

سليم نقولا محسن

هي تنظيم سياسي قومي، امتد إلى معظم الأقطار العربية، وانتشر بين شبابها مع انتشار أفكار ثورة 23 تموز التقدمية التحريرية، وصعود زعامة عبد الناصر الشعبية على الساحة العربية، وتعاظم تأثيره في شبابها، من سوريا والجنوب العربي والعراق إلى مصر وليبيا والسودان، إذ كانت الحركة بمثابة البديل عن غياب التنظيم الناصري، لذا غلبت على معظم عناصر قواعده التوجهات الناصرية بما تحتوي من مفاهيم التمرد والرفض للدولة الإقليمية وممارساتها، فعُرف بأنه تنظيم ذي طبيعة ناصرية، إلى أن بدأت النقلات الفكرية الماركسية بكل تلاوينها من اللينينية إلى الغيفارية - كنظريات سياسية علمية يمكن تطبيقها - في محاولة غير موفقة من الداعين إليها لمحاكاة صيغ تطبيقاتها العالمية في اجتهاد يزاوجها مع الأفكار القومية في المنطقة العربية: وذلك على أثر العجز النضالي الفاضح الحاصل عقب واقعة انفصال أيلول عام 61 لإعادة وحدة عام 58، وكان قد توضحت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر الحركة عام 1964 الذي عقد في لبنان، لتستفحل بعدها عقب نكسة الجيوش العربية عام 67، مما ساعد ذلك فيما بعد على انهيار الرابط التنظيمي القومي، لتنكفئ اهتمامات قياداتها وشبابها بالعمل على القضية الفلسطينية القضية القومية الأساس كالجبهة الشعبية وغيرها .

وكان تنظيم الحركة قد أوجدته بداية ظروف: فشل القيادات القطرية وتردّي حالة الشعب، في الخمسينات من القرن الماضي، وذلك لتجاوز حالة التبعية والتخلف والعمل من اجل التقدم من منظور قومي كفاحي، لم يتحلق بداية حول زعيم أو مفكر أو قائد ملهم، لكن شبابه كانوا يسترشدون بخبرة أصحاب النضال ممن سبقوا وبأفكار مجتهدين عُرفوا بتنورهم وبموضوعية البحث لديهم: منهم - قسطنطين زريق والحصري- وغيرهم، وقاده إلى العمل عوضا عن هؤلاء القادة الاستعراضيين المسئولين بنظره حينها عن الفشل العربي: حماسة الشباب وآمالهم المستقبلية للخلاص بعد الإحباط وسنين القحط المؤلمة، وقد خلُصَت تصوراتهم: إلى ضرورة العمل القومي وفق رؤية متجددة تعمل لها بنية تنظيمية نوعية، اتخذت السرية زمنها أسلوبا لنشاطها لضمان سلامة شبابها وحرية حركتهم أثناء تنفيذ مهامهم النضالية المختلفة، عبر خلايا داخل المجتمع، لخدمة توجهها نحو الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية وتحرير الشعوب العربية، وكانت الحركة تعتبر بان المدخل إلى هذه الأهداف تحرير فلسطين المحتلة وعودة اللاجئين.

ولكونها قد أعلنت: عقب نشوء منظمات سياسية متنوعة حديثة زمنها /أممية وقومية وقطرية/ على الساحة العربية، فقد سمح لها ذلك بقراءة ودراسة أفكار وعقائد هذه المنظمات وطرق عملها، ومن موقف سلبي بُني اتجاهها، أملته طموحات واندفاع شبابها باعتبارها كانت مشاركة في الفشل لعربي، رأت الحركة أن تحقيق الطموحات يقضي بضرورة تجاوزها، وكان لبنيتها الثقافية وتكوينها والنتائج التي ترتبت عن ٳنكسار المجتمع المديني التقليدي بفعل المتغيرات: عوامل لأن يكون نشطائها ومؤيديها في غالبيتهم من أبناء العائلات المدينية المُحبَطة، أو من شباب الأطراف المتعلم، الذين لهم صلات مدينية، وهؤلاء قد نقلوا إليها بدورهم ما كانوا يحملون من عادات وفضائل وقيم مجتمعية مستقرة كانت قد تأسست على علاقات مجتمعية اقتصادية سابقة، كما كانوا الجسم الحَيوي للنشاط السياسي على اختلافه..وأيضا ورثة متميزون للدعوات السياسية والأحزاب التي عملت في مجالات نهضة العرب طيلة عقود سابقة ومنها عصبة العمل القومي كما أوضح الأستاذ هاني بن محمود الهندي في كتابه عن الحركة، ويعتبر هذا الكاتب المناضل إلى جانب الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد أحد مؤسسي كتائب الفداء العربي، وحركة القوميين العرب.

وكان لطابعها السري، الذي اقتضاه بطش الحكومات المتعاقبة آنذاك، / وأيضا لطريقة انتقاء المنتسبين إليها من صفوة الشباب الناشط في المجال السياسي الاجتماعي العربي/، ومن ثم أساليب تدريبهم على العمل النضالي، وتقويم ومراقبة صدقية سلوكهم، بهدف إعدادهم ليكونوا جديرين بحمل أعباء الدور الريادي الطوعي المنتظر منهم للخدمة العامة القومية /كواجب لا ينتظر ثوابا/: الأثر البالغ بالتحول النوعي الذي طرأ على مجمل طرق العمل السياسي العربي/مما أكسب هذا شبابها مسحة طهرانية، وعِفة/، ألزمتهم التشدد بضوابط الأخلاقيات، مما انعكس على سلوك الحركة، وجعلها حالة سياسية عربية متميزة، يَصعُب عليها، أو على أفرادها التنازل عن كل ما هو متعلق بالحقوق القومية، أو بمصالح المجتمع وتقدمه، تصَعّد هذا إلى ترَفّعٕ، منحَ الكثير من أعضائها صفة المرجعية والمراقبية في مناطقهم.

وربما كان هذا السلوك المبدئي، هو ما كان غالبا يدفع قيادة الحركة إلى الإحجام عن المشاركة السياسية الفعلية مع الأنظمة التي تعاقبت على العواصم العربية، وقد أكسبها هذا الموقف رؤية سياسية خاصة موضوعية متفردة اتجاه الأحداث العاصفة، حتى مع القيادة الناصرية عقب انفصال عام 1961، رغم إقرارها بالزعامة الفريدة للرئيس جمال عبد الناصر، وتعاون الحركة واتفاقها مع هذه الزعامة بالرؤية والأهداف، مما مكنها هذا من استيعاب جدلية المتغيرات الفكرية والسياسية الطارئة على المنطقة واتخاذ المواقف الصائبة اتجاهها.

و لكن بسبب طبيعة تسلسل تنظيمها السرّي الهرمي من القمة إلى القاعدة، وإتباع نظام المركزية المرنة بين القيادة القومية والأقاليم والمناطق، واعتماد بنية التنظيم على سلاسل الخلايا العنقودية والأسماء الحركية، وطبيعة الانشداد إلى الصِيغ العملاتية في المواجهة، وانشغاله والناشطين فيه بملاحقة ميدانية للأحداث المتتابعة، وحرص التنظيم على الإعداد القومي بالتثقيف والمهام النضالية اليومية بالإضافة إلى طبيعته السرية:

فان هذه العوامل قد جَعلت من المتعذر أن تسنح الفرصة لأفراده في معرفة بعضهم البعض خارج كل خلية، أو معرفة المسؤولين عنهم، الذين كانوا بالحقيقة ضباط ارتباط بين الخلايا والقيادة تغلب عليهم الصفة التنفيذية، علما بأن بعضا منهم كان يُستقدَم من الأقطار العربية.

واتساقا مع ما سبق فلربما كان لتركيبته التنظيمية هذه بما أنتجت من مناهج في السلوك والممارسة، كانت من الأسباب التي أدت إلى غياب الوحدة الفكرية وأحيانا حتى التنظيمية، وذلك لتعثر نقل مفاهيم القيادة الثقافية والحوار حولها وتبادلها، وأيضا تعثر نقل توجيهاتها التكتيكية السياسية، وهذا ما أفسح المجال لكل عضو من مسئولي المراتب التنظيمية بحسب كفاءته، لأن يكون له تثقيفه الخاص به، يمليه على تسلسل القواعد التابعة له، وبالقابل اجتهاده المفتوح على كل العقائد والأفكار في خدمة المفهوم القومي.

وهذا ما قاد في حقيقة الأمر إلى رؤى سياسية متعددة وتنظيمات وقيادات، ضمن التنظيم الواحد، توجّهها في قِمّة الهرم مجموعة قيادية موثوقة لكنها بعيدة، لا القرار ببيدها ولا التنظيم، تخاف من انشقاق التنظيم ومن اختراقه ومن سريته، كما أفضى هذا الوضع بدوره إلى أن تبقى طروحات القيادة الفكرية المقدمة بالتسلسل إلى القواعد في ٳطار الاستئناس والنقاش، لكن دون التزام حول مفاهيم "الوحدة والاشتراكية والتحرر".

وقد تجدر الملاحظة هنا: بأنه على الرغم من أن مراتب الحركة التنظيمية كان يسود اجتماعاتها النظام الصارم، فٳن أجواءها، كانت مفتوحة لحرية النقاش وتبادل الآراء بين أعضائها ضمن صيغ ما تعارف عليه بالنقد والنقد الذاتي.

وبالمقابل فان ما سبق وذكر من عوامل سلبية كانت قد أضعفت المركز، قد أوجدت طرائق ٳيجابية في الٳجتهاد مُفعمة بالحركة الجدلية النشطة، جَعلت من كل عُضو في الحركة مسؤولا وأمينا على مبادئه وبؤرة كفاحية بحد ذاتها لها نصيب متجدد في معالجة نشر الفكر القومي الوحدوي والاجتهاد فيه، والتصدّي للقضايا الملحّة، التي يتعرض لها الوطن العربي على امتداده، مما ترتب على ذلك: تشكل ظاهرة سياسية ايجابية من نوع جديد، كان لها تأثيرها النوعي على الساحة السياسية العربية: من مواقع أفراد تنظيم الحركة في مفاصل المجتمع ومبادراتهم، ورؤيتهم المتمازجة مع المحيط الشعبي، وبما أن نشوء الحركة ونموها وتطورها على كافة الأصعدة، كان ثمرة نضال واجتهاد وتعب وتضحيات الناشطين من أعضائها، فقد اصبح للكل فيها نصيب، وهي كالحياة يسقط على طريقها البعض منهم، وينحرف آخرون، وتتجدد بمفاهيم ونشاط البعض الآخر.

تبعا لذلك لم يكن معترفا /باتفاق ضمني/ ساد بين أعضائها، لأي من ناشطيها أنّى كانت تراتبيته: وخاصة - بعد تحلل وغياب الرابط التنظيمي القومي /الشبه العسكري/ للحركة بفعل الاضطهاد والملاحقات، وخاصة بعد صُدور القرار العربي عام 67 عقب قمة الخرطوم القاضي بتحجيم العمل القومي- وتحولها بالتالي إلى مقدس بحق مصادرة قرارها، استمرارها أو إنهائها، الإعلان عنها أو التحدث بٳسمها، أو تحوير مبادئها القومية والانحراف بمسارها، وهذا ما أكسب غيابها وبالمقابل حضور نشاطها، الذي بقي مستمرا عبر أعضائها ومواقفهم إطاراً غامضا، أربك المراقبين السياسيين والمحللين ومنعهم عن معرفة طبيعتها وآلية عملها وحقيقة تواجدها، وجَعل كلّ ما عُرف أو نشِر عنها لا يتطابق مع واقعها، ومصادره إما الاجتهاد التخميني أو ما نقل عن الدوائر الأمنية ليس غير.

وقد ظلت الآراء السياسية المتمايزة في موضوع الشان القومي العربي والموقف النضالي مدار بحث وحوار ونقاش بين ناشطيها ومريديها على مدى العقود اللاحقة، أوجد حالة ترابطية بينهم من نوع آخر، وعلاقات مستديمة نوعية، يسودها تقليد أسروي اجتماعي متعاضد، لا تندرج مفاهيمه بما تعارفت عليه الأطر التنظيمية لأحزاب المنطقة، أكان هذا بين من كانوا أعضاء في السلسة الواحدة من الخلايا وآخرين خارجها، أو حتى مع الأعضاء القادمين من الأقطار المختلفة، وأيضا رؤية متناغمة للأمور متوافقة، في انتظار الظروف الملائمة للإعلان عن تجدد حقيقي لها.

ومنذ أوائل التسعينات وعقب حدوث الانعطاف الحاد في السياسة الدولية بعد انهيار دولة السوفيتات، وتبعا انكشاف الوضع العربي، فقد بدا واضحا تصاعد حدة الحملات التي تستهدف المنطقة وقضاياها القومية، بما يمكن أن يُعيدها إلى أجواء الاحتلالات كما حَدث في الحرب الأولى والى تكرار مسألة اغتصاب فلسطين في أقطار أخرى، وشيوع سياسة الأحلاف والانقسامات والمؤامرات، لذا ارتأى العديد من أعضائها بعد أن استشعروا ضعف الساحة العربية أمام تهديدات المواجهة الجديدة المرتقبة، وارتخاء مفاهيم من لم يزل ينشط على ساحتها من شخصيات وأحزاب مقابل هذه الأجواء العالمية العاصفة المتغيرة، بوجوب إعادة العمل القومي عبر حركة متجددة تتجنب السلبيات، تأخذ بمعطيات الأزمنة الحديثة، لذا تنادى البعض منهم عقب الغزو الأمريكي للعراق إلى إنشاء مكتب من مهامه إعادة ربط الأعضاء فيما بينهم، ومتابعة آرائهم واقتراحاتهم ومساهماتهم بما له صلة بدعم قضايا العرب ومقاومتهم.

كما يمكن معرفة المزيد عن حركة القوميين العرب /بدايات التأسيس والتنظيم والنشاط/ بالاضطلاع على العديد من المؤلفات، التي صدرت وتناولت موضوعها، ولعل من أهمهما: كتاب الدكتور الشهيد باسل الكبيسي، الذي أعاد طبعه مكتب الارتباط في حركة القوميين العرب، وكتاب الأستاذ هاني محمود الهندي الموسوعي الموثق أحد مؤسسيها.

الثلاثاء، تموز ١١، ٢٠٠٦

وهم الشرخ الحضاري، وجذور الصراع

بقلم سليم نقولا محسن

18 كانون الثاني – يناير 2004

في الزمن المغيب تصمت الحكمة، فلا يسمع أحد، يدخل اللصوص والزناة المدن، ويغادرها الأتقياء. أخفوا سيف الامام.. أنكروا البيعة .. والوديعة ..، ألبسوا شيطان العتمة نورا.. صعّدوا عطر المباخر.. أدخلوه الكوفة.. وطوفوه كربلاء..؟

المأساة ترتحل شعرا، تجوب العراق ، تقرأ في سفرها عن وجع النخيل.. عذارى عشتار، عن احتراق الأرض، وموت شهرزاد، عن خوف الجوع ، والعار. كيف يغشّ الخبث، ويقلب الحقيقة ..؟ كيف ينبح الجهل، ويتسلط الحمقى ؟ عن الخراب وقتلى المدائن، عن اختفاء شهريار. كيف قتل الحسين مرتين، وصمت الصهيل..؟ عن بكاء دجلة، عن موت الحلم في العيون، عن التحدي ، وقسوة الرفض ، وولادة الطفل الشهيد . نساء يندبن على الضفاف، ينظرن الى غرق العربي في المياه، وانهيار الوطن..؟

وجهة نظر معاصرة: يمكن من خلالها رؤية الخلافة العباسية في عام 1257 م كاحتلال داخلي فاجر، تسلّط على رقاب أبناء العرب، والخليفة الهاشمي ..طاغية بغداد ؟ أما هولاكو، فكان محررا ؟ لذا احتفل ورقص... اللاتين ناهبي كنوز بيزنطة، والفرنجة الغزاة في اماراتهم على سواحل بلاد الشام، والفرس في بلادهم، وأتباع العلقمي الخائن، والجنود المغول.. في الطرقات المشتعلة .. المباحة : بمقتل الطاغية، وخراب بغداد ‍؟ وبكى العرب؟ من وجهة النظر هذه : فان العرب يدينون بالشكر والامتنان.. الى الادارة أنكلو- أميركية ،لاحتلالها التحريري..؟ والى اسرائيل كبديل عن الفرنجة ؟

كانت اوروبا قد ابتدأت صعودها بعد تاريخ اجتياح هولاكو المنطقة ، وتدمير بغداد.. بما يحسب ردا على استعادة الملك نجم الدين أيوب القدس ايلول 1244 م وابادة سكانها الفرنجة، الى أن هزم المماليك (سبايا المغول) بقيادة قطز، بيبرس جيشَه عام 1260 م في عين جالوت شمالي فلسطين. وكان هؤلاء عماد الجيش الأيوبي، وذلك في زمن يتقارب مع استعادة البيزنطيين القسطنطينية المحتلة منذ عام 1203م من قبل اللاتين الغزاة وطردهم.

- وكانت انقسامات عربية، وفتن دينية ، قد أشغلت دولة الخلافة. كما عمدت الصراعات مع بيزنطة، والحروب مع الفرنجة الى انهاكها، وكان هؤلاء "الصليبييون" قد دخلوا القدس عام 1099م وأبادوا سكانها العرب من المسلمين واليهود، توطئة لاحتلال أرض أحلامهم "بابل- العراق" بما أعقب ذلك من انتشار لاماراتهم في سواحل الشام.

- وكان ظهور قوة جنكيز خان في الشرق، عاملا في ايقاظ رغبة القوى المعادية المحيطة: "الفرس، والفرنجة: اتفاقيات الملك لويس القديس"، والداخلية: "العلقمي"، للخلاص من الخلافة العباسية، فتآمرت هذه لتوجيه جيوش المغول صوب بغداد.

- منذ ذلك التاريخ.. عانت المنطقة من بدائية العقل الأوروبي الغابي، ومنهجه المتواصل في عدائية الشرق.. ويبدو بأنه كان يستقي خطه الهمجي..من وعاء عقل بدائي، محفوظ في ذاكرته البعيدة.. لم تستطع أن تخرقه الارتقاءات الانسانية لتجارب الشعوب القاطنة وراء الضفاف المتوسطية المقابلة .. كما أن هذا العقل قد قصّر – ربما بسبب البدايات البيئية الصعبة- عن تلمس معاناته اليومية ، ورفع التقاء تقاطعاتها ..الى رموز يمكن أن تحتويها ميثولوجيا متأنسنة كما الشرق؟

- فهو بعد عشرة قرون، عمد الى التخلص من قيود مفاهيم الشرق الرسالي، ومنذ عام 1054م ،انفصال روما عن القسطنطينية، شرع في اعادة تركيب مضمونها المسيحي الشرقي، وتأويل النص الديني في حرفية تتلاقى مع التحميلات العنيفة لزمنية التكوين التوراتي، كان قد أبطلها انجيل العهد الجديد وذلك لاعادة مواءمتها مع بدائية الطروحات المؤسسة للقبائل الهندو-أوربية الجرمانية. كما لم يثمر تقدم الغرب التقني، في انتاج علاقات مؤنسنة، وانما لتطوير تنظيم اجتماعي لاستثمار أقصى لقوة العمل، تتفارق بناه الفوقية مع نتائج التقدم في اتجاه تخديمي لسلوكه البدائي الاغتصابي..؟

- وقد أنيط بالثقافة الأوروبية تداول مهام أدلجة البربرية، واكسابها مظهرا حريريا، يناقض الباطن، لم تنطل خدعة تمريرها على العقل الشرقي ، المشبع برموزه الميثولوجية، وفي تلقائية طبيعته البحثية عن ما وراء الظاهر، تدفع تجاربه المختزنة .. الى اعلان الحقائق عارية.

في حرب العراق دأب الغرب في اعلامه السائد على اظهار ارتقائه الحضاري من خلال التقنيات التدميرية لديه، بما يتجاوز المعقول البشري – انسيابية التصميم الهندسي لصواريخه، دقة المسار، تحليق الطائرات وهبوطها ، المعجزين، اختراق الفضاء ودقة التصويب، جيش مؤلل، وصور لامعة لمدمراته في البحر - شكل دعائي مفضوح يحرّض على استسلامية لموت فاخر. وهو اذ يخفي حقيقة الهدف الهمجي من عرضه للقدرات، بدمجه بالافناء النظيف، واعتام النتائج المصائبية من خراب وألم، كان يحاول...بالمقابل أن يظهر همجية الآخر، ربطا ببدائية تطوره ، ومحدودية قدراته - عبر عرض آلية خربة، وحديد ممزق، والدماء، والأشلاء، كمخلفات لعقل مأزوم، يندفع في انجاز فعله استشهاديين متخلفين. ومع ذلك، كان يظهر الغرب في انفلات ردود فعله العصبية، امكانية قدرات الانسان المقهور الفقيرة، على ابتكار الفعل المجابه، ورفض الاستسلام المجاني " ثقافة الموت الحريري "، وبالتالي محدودية ادراك الغرب لمعنى الأضحية الاستشهادية كخلاص وحياة أفضل للجماعة.

وتجنبا للبس والتلفيق الانتقائي، فان المعنى الحضاري لشعوب منطقة ما، لا يندرج توصيفه بتعاظم كيانات الدول وتماسك سلطانها، أو في امتلاكها لقدرات التطور التقني، ان هي خرجت عن مفهوم الأنسنة – الالتقاء بالآخر- واعتباره تلاقح معرفي واستمرار تعايش وجود، وتبادل خبرات. بل أن هذا المعنى ، يمكن أن يتفاعل في تحاور والتقاء بين جماعات أوجدت انتظاما قادرا على التقاط الفكر المغاير ضمن جدلية الارتقاء، وهذه تمتد جذورها الى شروط الظروف وملاءمة المكان، في بدايات التكوين المجتمعي. نرى ذلك في التكوينات الاجتماعية التي التقت على أحواض المناهل الكبرى مثال : النيل - الفراعنة ، ودجلة والفرات - سومر ، وبابل. وتفاعل شعوب الحدود ما بينهما في سورية من دمشق الى القدس ، ومكة . بما يتجاوز ذاتها في رسالة ارتقاء انساني الى الشعوب تضمنت حكمتها من ما قبل الابراهيمية الى المسيحية ، والاسلام.

- ونظرا لتأسس عقل النخبويين العرب، على سطح مساحات العقل الغربي، وطروحاته القيمية، عجزوا عن اختراق واقع شعوبهم وتلمس معاناتهم، وعوضا من أن تكون مهامهم، استنباط سبل لخدمتها وفضح المرامي الغربية، تماهوا مع تلك، وغدوا مروجين لها، كأحصنة طروادية تنتظر لحظة الاجهاز. وفي الحقيقة كان من نتائج صلتهم العضوية مع المنشأ، أن تحولوا في مختبرات الغرب الاجتماعية الى كائنات مدمرة عمياء لا ملامح لها، تعيش على نسغ شعوبها، لأداء وظيفة تخريبية لمجتمعاتها، والاجهاز على عروبتها. شاهد الماضي في المنطقة نماذجا منها، منذ تفكك الدولة العثمانية - عبد الاله، نوري السعيد ، الحاشية الحاكمة في العراق، وفي فلسطين، وبعض المجاميع في سورية عقب انفصال ايلول 1961، ولم تزل تفاجيء الشعوب بظهور سلالاتها كداعية ممهدة ومرافقة للاحتلالات..بما يلزم المراجعة والتدقيق في كل نتاجها الثقافي والمؤسسي.

- فالعروبة في وعي انسان المنطقة، وعاء لقيم متدفقة. صاغها عبر الزمن، علاقة جهد العمل في انبات الأرض، كجنة مؤملة حاضنة للعدالة، ومفاهيم حقوق الانسان، وتفاعل الحريات. وكحالة فيضية لثنائية الأرض والانسان، كان الارتباط بها والدفاع عنها شاغله الأبدي.

- وتجدر الملاحظة بأنه، منذ بداية النضال أوائل القرن 20 ضد الأجنبي من أجل تكوين الوطن السيادي المعاصر، كان هنالك انفصال بين تيارين:

1- تيار عروبي يعمل من أجل كيان سياسي مستقل مرحلي، ومجتمع متماسك متطور، مقدمة لكيان عروبي مستقبلي موحد.

2- تيار آخر متغربن واسع الطيف يعمل دون اعلان ظاهر، من أجل انهاء الوطن.

وكانت التباينات، بين القوى المعارضة والسلطات السياسية الحاكمة، تتجه الى استقراء المطالب الضرورية للنهوض والتقدم تحت مظلة الوطن.

وبينما كانت تنظر القوى العروبية الى الخلاف مع السلطات، كتناقض ثانوي يتناول تخطيء استغراب المفاهيم الدولتية والقومية، والى ضرورة اصلاح أخطاء الممارسات السلطوية والكشف عنها كمهام وطنية، لاستكمال تكوين الوطن والانتقال منه الى الموحد، كانت القوى الموصوفة بالمتغربة على تناقض مع سيرورة المنتظم السياسي ووجوده، وتجعل من الأخطاء ذاتها، تناقضات رئيسية وذريعة لاشغالات اجتماعية سياسية، تهدف في النهاية الى هدم الوطن. ولا ينكر بأن عددا من العروبيين قد انقاد، من منطلق استفحال الخلافات مع السلطات، الى التباس في مفهوم المعارضة، والى الانزلاق في تحالفات مع القوى المتغربة التي سعت الى استغلال مقاصدها الوطنية، وتشويهها. وهكذا نلاحظ بأن طروحات النخبوية المتأمركة، انما هي استمرار لدعواتها السابقة في الاستقواء بالأجنبي، لانهاء الأوطان.

- كما لا يمكن صياغة رؤية مستقبلية، ذات صفة يقينية بالتأسيس على رمال الحاضر، كما يلحّ عليها البعض بباطنية متخابثة أو بجهالة، دون قراءة الواقع بما فيه من عثرات. فالشعوب غدت على قناعة بضرورة الكف عن ممارسة عقلية النقل المغامر للتجارب، بما فيها عروض التنمذج الأمريكي الجديد فأن أعواما طويلة من سفح الجهد الفكري المستقى خطوطه من الغرب، والتبديد الثروتي، لم يساهم في التقدم، بل أدى الى تحرك يتضاد مع سيرورة المجتمع.

كما هو بين فان النموذج العقلي للادارة الأنكلو-أميركية الحالية، هو مولود غربي في خصائصه العنصرية، انتقل بداية الى الولايات المتحدة مع تصدير أوروبا في القرن 15 لنفاياتها البشرية، وعمل على تطبيقه مباشرة بابادة الهنود سكانها الأصليين. وقد تلاقى هذا النموذج، الذي تأصل وتمركز قادة فكره في الولايات المتحدة أواخر القرن العشرين، مع تنامي التوجه الكوني للمؤسسات الاقتصادية الاستثمارية، يؤدلج طموحاته ويبررها منهج فكري حديث يسقط من حسابه الحقوق الاجتماعية الانسانية، لأصحاب قوة العمل، وصغار المنتجين ، والضعفاء في الأرض، لخفض قيمة المنتج، ومراكمة الربح.

- وقد أدى تنامي الرأسمال الاستثماري بأبعاده العمودية والأفقية، الى انقسام عالمي بين الشعوب والادارات السياسية الحاكمة، والى جعل ادارات الدول كسلطات تابعة. وبالتالي فصل المجتمع الغربي عن اداراته كممثلة له مفترضة، ومن ثم الى مركزية سلطوية، لضرورة تلبية المتطلبات الملحة لادارات اقتصادية مهيمنة، وبالتالي الى انتفاء مفهوم الدولة الليبرالية التقليدي المؤسس على المبادرة الفردية، والتحول الى الديكتاتورية، مع شكلية ديمقراطية، ومصادرة عملية لحقوق الانسان، وحرياته. بما يستدعي هذا أشكالا من النضالات، لتحقيق العدالة ، واعادة هذه الحقوق.

- وان هذا بما يعنيه محاكاة للحركة الاقتصادية التي سادت أوائل القرن السابع عشر حيث أخضعت الدولة لمصالح الشركات العابرة، ( 1600) شركة الهند الشرقية الهولندية، (1664) شركة الهند الشرقية الفرنسية، لتأمين جيوش الحماية لأساطيلها، وممتلكاتها ومستعمراتها الجديدة وراء البحار. وكان نشاط هذه الشركات، هو الأساس الذي مهد لنشوء الدول القومية الأوربية وتطور قوة أوربا الحديثة، والى استئناف توجهها الاحتلالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع وهن الحاجز العثماني، الى الشرق المتوسطي والى وجنوبه.

- وتبدو العقلية المدمرة الحالية ظاهرة: من خلال حربين عالميتين ساخنتين 1914 و1939 انشغلت فيها أوروبا بالاقتتال الداخلي، وتدمير الذات، حصدت جراءه الملايين من أبنائها بتواطؤ أنجلو- أميركي، أعقبها حرب باردة طويلة، أسقطت خلالها النفوذ الأوربي الدولي، وختمتها بانهاء أمبراطورية سوفيتية عظمى. ومع التشكيل الجديد لانتظام الدول، بما يتوافق مع مصالح الاستثمار العالمي، تكون البداية قد نضجت لانطلاق عالم بعد أوروبي –أميركي، على حساب قهر كافة شعوب الأرض.

- وهذا لا يمكن له أن يتحقق، دون العودة لتقفيز نوعي لمنهج التفكير العنصري السابق اتجاه الآخر، يؤكده ما اتبع من سياسات لا أخلاقية، استعدى تطبيقها الشعوب المتضررة، ومنها من تمتلك حضارات تتفعل جدلية واقعها، لاستيعاب عنف المتغير الطاريء والرد عليه. ولا بد أن تستنهض هذه الممارسات العدوانية - كيف بدا تعاظم طغيانها- مواجهة ومقاومة، تتصاعد بمستوى الفعل، ومن ثم الى اعتياد الشعوب بعد الصدمة، على مواجهة هيجان الخنزير البري وقتله.

على أن النوايا ومآلها واضحة، في اتجاه منطقة حيوية واستراتيجية، تمتلك عصب التقنية الحديثة " النفط"، التي ظهرت بوادرها منذ شرعت الدول المؤتمرة قضم العالم، اقتصاديا وسياسيا – كمناطق استثمار للرأسمال الكوني: أوروبا الشرقية، وروسيا، والبلقان، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرقي آسيا، ووسط آسيا - واخضاع عديد من الدول العربية، وذلك بتنفيذ تجربتها العالمية الجديدة باحتلالات مباشرة أهلّتها لعراق بعد الحصار.

- وكانت الادارة الأنكلو – اميركية قد مهّدت الى هذا التحرك بسلسلة توصيفات، مهينة وشائنة، أشاعتها عن شعوب الشرق العربية الاسلامية وامتدادها، وعقائدها ونظم حكمها، لم تكن سوى ترداد لمقولات حكمائها من العصور الوسطى، الى النهضة والأنوار والحديث: من البابا أورباس الثاني، وخطبته الشهيرة في كليرمون 1095م، وتوما الاكويني، الى دانتي ولوثر، الى مونتسكيو وفولتير وروسو ورينان، ومن تبعهم من مستشرقي القرن 19و 20 في اعلانهم عن ضرورة استئصال الاسلام. وهذه مشبعة بكراهية توراتية لشعوب بابل أرض العراق. انه استقدام لمفهوم غيبي لنفي الآخر "العراق أرض مباحة وشعبها محكوم بالفناء". استخدام حرفي للنص الديني الملغى لاكساب الغرب ذاته بتبنيه، الحقوق الالهية المتفوقة، ومشروعية الابادة، واستمرار للهمجية. عقيدة الالغاء هذه ، تتضمن كرها للحضارة المنتجة المتفوقة بالأنسنة: كره الراعي (الأعراب)، لأهل الحضر (الفلاح). ان استقدام النص المعتقدي، هو قلب متقصد للمفهوم الحضاري، هنا تدمّج المصالح النفعية بالرؤى.

- العراق فلسطين الثانية، الأرض الموعودة – تفيض لبنا وعسلا- الجنة الموصوفة، ينجّسها عبيد سارة، أبناء هاجر جارية ابراهيم. فشل الفرنجة في الوصول اليها منذ عشرة قرون، دمروها بوحشية المغول، يعودون اليها اليوم بالحقد ذاته، يحملهم اليها تراكم نوعي تقني لا سابق له. مرة أخرى تتناقض المفاهيم بين رؤيا الثقافة الهمجية والرؤية الحضارية. العقل الحضاري ينتج الغلال، " الآخر" ضرورة: لتبليغ الفكرة الرسالية. والاستمرار الهمجي: ينتظر الفريسة، "الآخر": مشروع طريدة. البطل هوالصياد القاتل.

هكذا أيضا يستبدل مفهوم البطل. ليلة القبض على الرئيس صدام حسين، السبت 13\12\2003، ووسط ضبابية المشهد، والشك في الرواية المرفقة نشأت الأسطورة. فلقد تم اختيار الصور الاعلامية المعروضة بدراية من قبل اختصاصيين. وكانت النتائج غير التوقعات. كان القصد اذلال الشعوب العربية (الوثنية)، التي تنجب عقائدها حكاما -أمثال صدام-، لكن كان الغاء الفكرة، الكلمة بما يتضمن اعادة لشرعيته كقائد وزعيم. لم تكن الاهانة عرض صورة الرئيس، وانما لأن (الشيطان) الأمريكي، كان يلامس وجه القدّيس. ارادت الدعاية الامريكية الضخمة أن تصوره جبارا، ديكتاتورا منسوجا من مخزون تراثهم النازي ، وذلك لايقاع الصدمة برؤية الهوة بين ارتفاع البطل الاسطوري والحضيض، الصورة الحالية البائسة من موقع المنظور الامريكي ومفهومه لسقوط البطل. لكن الرئيس بدا على خلاف ما صورته آلة الدعاية الأمريكية تلك، بدا الرئيس مؤنسنا بالهمّ الرسالي الى حدّ مذهل، ملتصقا بلباسه وشقائه بشعبه، فظهر لحظتها شهيدا، جسّد أبطال ميثولوجيا العراق، ديموزي وجلجامش، التي تختطفهم قوى الظلام لعودة حياة الى الشعب جديدة، وتعالى الى مشهد الحسين الضحية، وتعانق مع الحلاج. في المقابل، فان ظهور رئيس الادارة الأمريكية في ذات المناسبة باطارها المستبرق الفخم، لم يعط انطباعا مقبولا، ولم تر الشعوب العربية والمستضعفة فيه غير حالة جرذية متأسدة، كما لم تحفل أبدا بما كان ينطق من كلمات.

لقد دخلت قوات الاحتلال -الأنكلو اميركية- بغداد في نيسان 2003، في تجاوز فجّ للشرعية الدولية ومعاييرها، مقدمة لاعادة ترتيب المنطقة بما يتوافق والخطط الاستثمارية للشركات، بما يعني هدم مؤسسات المنتظم العراقي الاجتماعية والاقتصادية، والسيطرة على النفط تمهيدا للعبة الاستثمار العالمية الجديدة.

على وضوح أهداف الاحتلال الأنكلو- أميركي في هذه المنطقة، كترجمة لطموحاته النفعية التاريخية كما تفضحها الممارسات المشاهدة، الدافعة باتجاه تفكيك الكيانات السياسية عبر فتنة الاقتتال الداخلي بين الاثنيات والمذاهب، باحتمالات تدحرج مفاعيل أحداثها الى كامل المنطقة، وما تفضي اليه من المآسي والتخريب، فان العقل النخبوي المتأمرك لم يزل يعمل في صيغ عدمية متناقضة، مأخوذا بنشوة نصره العبثي، ولم يفطن حتى الى الخلط المفضوح بين انفلات المكبوت من رغباته ودوره المأجور المرسوم المكلف به لأداء مهام الاخلاص الوطني.

- ولم يزل العقل النخبوي المتأمرك يردد مقولات جاهزة، عانى المجتمع الغربي ذاته في أزمنة مختلفة من نتائج منهج تطبيقها، يسحب حيثياتها، النازية والفاشية والستالينية، ليلبسها لواقع متخيل لا وجود له يفترضه في المنطقة. وهذه تعاد في صيغ لغوية مركبة، التقط بعض مفرداتها من المتداول المحلي، للترويج بحَرْفية عقل مسطح، لا يخترق الرمز الى ما وراء الظاهر، لطروحات لاصلة لها بالواقع المعني مثل "الدمقراطية" مقابل الديكتاتورية والاحتلال الداخلي والمقابر الجماعية، بما يظهر بأن هذا العقل النخبوي الممسوخ قد تقمص الثقافة الهمجية، متباهيا باتقانه فلهوة الرياء المتعالي والتحايل، استعدادا للانقضاض الافتراسي.

- وحيث أن جذور النخبة المتأمركة قد ائتلفت مع نتائج تراكيب سلوكية خارجة في موضوعها عن شروط استقرارية توازن المنتظم السياسي، أي رفض الانتماء له، للوطن، وعدم فهم خصوصية علاقة العمل بالأرض ودورها في انتظام المجتمع، ظلّ هؤلاء خارج المواطنة كقوى عدمية منبوذة، على هامش فاعلياته، يعانون فيه اضطهادا مجتمعيا مزمنا، كعناصر طفيلية لا فائدة منها، تنتمي رغم مظهرها االمخملي الى طوائف اللصوص والقوادين، تستلهم من ثقافات الغرب ايديولوجية وجودها، وهذه تتوزع في ثنايا الجسم الدولتي، كقوى تدميرية كامنة، تظهر بفاعلية انتقامية زمن الكوارث المخلخلة للمنتظم المجتمعي الاقتصادي، كحالة العراق.

اذن ليس لهؤلاء النخبويون المتأمركون، كقوى حرمت من التمتع بخصائصها التكوينية، واستقلالية وجودها الارتزاقي، وقُمعت حريتها في التخريب والنهب، غير الارتباط بالغازي المدمّر – اسرائيل، والاحتلال الأنكلو- الأمريكي. ومن الطبيعي أن تنظر هذه الى الغازي كقوة محررة، والى أن تبرر الاحتلال بوجود عدوها الوطن ذاته، بما يعنيه من شعب وصيغ تعايش وأخلاق وقوانين، وأن تصف المجاهدين للحق مخربين وارهابيين.

الجمعة، تموز ٠٧، ٢٠٠٦

ثورة 23 تموز يوليو، في مواجهة أحداث المهانة والفكر المستعار

سليم نقولا محسن

ربما أتاح حدث احتلال العراق للشعوب العربية مقترب أفضل، لرؤية تسلسل وقائع نضالها وأضحياتها، منذ بدء تكوينها الحديث برعاية الدول الكبرى؛ ولاكتشاف وهم كياناتها السياسية، وأمراضها الذهنية، وبؤس منظومة أفكارها. وربما كان للتفاعل التراكمي السلبي لما مضى، وللصدمة الكارثية أثرٌٌ على ما أصاب العقل العربي؛ لكن اصراره المرَضي على الافتراق عن المنطق ومجانبة الجهاد المعرفي واعتناق عقيدة التخلف، وكسله عن اللحاق، الأثرُُ الأبعد على ما هو فيه من شيوع مواسم الضياع، وعلى اجتراء البعض على اختراق ثوابت مجتمعه، وعلى امتهان آخرون بدعَ الالتصاق بالمتقدم الغربي وتقمصه، واستسهال اقتراف جرم الادعاء.

عندما يختلط الجهد الفكري مع صراخ الشوارع، يزول الفارق بين السياسة كعلم يعتمد المنطق الحكيم لبناء الجماعة والدولة، وبين انتهاز فرد يتكسب أو قارئ كف يتسول. وعندما يسود الكم الأمّي ومنطق القوادة، كمرجعية في لعبة الفوضى المفروضة، عندئذ يسهل على ادارة دولة، ترتزق كأداة تنفيذ عالمية مثل الولايات المتحدة، أن تسرب ماتشاء من مقولات مخرّبة توجه بها سلوك الجماعة (أو الأفراد) ضد ذاتها (ذات الجماعة) لتفعل في مجتمعها ما تفعله الكوارث، ومن ثم أن يحمل جهلة مدعون وآخرون مغرضون هذه المقولات ضد العروبة والقومية، كمادة ثمينة، صادرة عن نزق طائفي: سني أو شيعي أو مسيحي أوغيره بحسب الأقطار، يرددون أنغامها، ويروجون مضامينها بكثير من الانفعال والحماس والانتشاء حسب الحال، تنقلهم شطحاتهم الغيبية الى قبول التكاذب في أحداث مصيرية، او إلى العودة لأزمنة الافتراء على ثورة 23 تموز/يوليو المصرية، وتكرار مفردات الاتهام الأمريكية عن ديكتاتورية الزعيم عبد الناصر والرئيس الأسير صدام حسين في العراق.

لا يمكن أن تقبل الشعوب مشهدا يعيد أحداث المهانة، وراية الفكر المستعار، فللشعوب مسارها الحر، وفعلها أكبر من صدمة الاندحار.

ان تطور الغرب الاستثماري، أوجد حاجة شرهة لديه الى الأسواق، لم تزل تنتج تطلعا ملتهبا الى منطقتنا، تبدو واضحة، من أحداث فلسطين الدامية الى الغزو الاجرامي للعراق.

من المسلمات أن ما يسود بين الشعوب في أزمنة الخطر والحصار، هو شعور الترابط والوحدة، والحاجة الى العودة للبحث عن أسباب القوة، ويصبح واجب خوض معارك الدفاع عن الوطن من المقدسات، فلا حرية مع الاحتلال، ولا تحرر مع الشرذمة والانحلال، ولا تقدم مع الاذلال والتخلف، ولا ديمقراطية مع الجوع والعوز والاضطهاد.

ربما كانت الديمقراطية في مصر والدول المتخلفة، المسألة الملحة التي تصدت لها ثورة تموز/يوليو 1952 كطريق وحيد لتحقيق الحرية والتقدم، فالأحزاب قبل الثورة كانت تخدع الشعب من خلال تسويق ديمقراطية زائفة في صندوق الاقتراع ، اذ كان تحالفها مع قوى الاقطاع والرأسمال المستغل ينتج، بالاضافة الى قوى القصر، طبقة حاكمة مستغلة، ونظاما مستبدا يرتبط بالضرورة، في ظل هيمنة الرأسمال العالمي وتطوره، بالقوى الاستعمارية، مما كان يجعل من الدولة الوطنية تابعا، تحجب عنها امكانات التقدم، ومن طبقتها السياسية ونظامها أداة منفذة موضوعة في خدمة المصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية للدوائر الاستعمارية، لذا كان لا بد للثورة من أن تضع الديمقراطية في اطارها الصحيح، وأن ترفض مفاهيم الديمقراطية الغربية وأنظمتها بما فيها الأمريكية، وترفض أيضا فلسفة أنظمة دولة الحزب الواحد( النازية)، او ديموقراطية الطبقة في الأنظمة الاشتراكية آنذاك، وأن تخط طريقا متميزا للديموقراطية يتلاءم مع طبيعة شعبها ُيبنى على تحالف ديموقراطي لقوى الشعب العامل؛ إذ ارتأت بأنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية السياسية في غياب الديموقرطية الاجتماعية، وهدفت الى زيادة الانتاج للوصول الى مجتمع الكفاية والعدل تحت رقابة تنظيم شعبي منتخب.

بين ظلام الوهن العثماني، وشراسة الطمع الغربي، كان يحضر المشهد المأساوي. وبينما كانت الفجيعة تتراكض في القرن التاسع عشر في أنحاء الأرض العربية، منذ صدمة حملة نابليون الفرنسية على مصر عام 1798 وسقوط حلمها في الامتداد لامتلاك كنوز الشرق؛ كانت الشعوب العربية تعمل في صمت، تراكم تجاربها وتتهيأ لفجر جديد.

ان ثورة 23 تموز/يوليو 1952 في مصر، كانت تحقيقا للأمل الذى راود العرب وشعب مصر، منذ بدأ العرب في العصر الحديث يفكرون في أن يكون حكمهم بأيدي أبنائهم. كانت جذور الثورة تمتد الى أبعد من أحداث ضياع فلسطين عام 1948 الى الأسباب الحقيقية للنكبة، فالأمل لم يتحقق لشعب مصر يوم تزعم عمر مكرم حركة تنصيب محمد علي واليا عليها عام 1804، كما لم يتحقق الأمل يوم حاول عرابي أن يطالب بالدستور، فكان احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، ثم كانت نكسة ثورة سعد زغلول عام 1919. في هذه المرحلة انكفأت مصر الى الداخل، وغاب عن نخبها، في احتجاب مصر، قوةََ فعل الامتداد العربي، والخطر الكامن في وعد بلفور عام 1917 ، وفي اجتياح بريطانيا العراق عام 1918.

ورغم أنه قد مضى ما يزيد عن نصف قرن على الثورة، فان طلائع الشعوب العربية وقياداتها الشعبية، هي أحوج ما تكون الآن الى اعادة اكتشاف منظومة أفكارها ومبادئها التي صاغتها قياداتها، بكثير من الدراية وعمق التحليل لماضي الأمة العربية وحاضرها ومستقبلها، وضمنتها في كتابي \"فلسفة الثورة\" و\"الميثاق\"، لتتمكن هذه الشعوب من أن تتلمس أزمة حاضرها، والانطلاق الى آفاق مستقبلها.

لقد عمدت الدول الكبرى، ومنها بريطانيا وفرنسا، عقب الحرب الأولى عام 1919، الى اقتسام البلاد العربية، وتثبيت حدود المناطق والدول، وفق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية آنذاك، في معاهدات دولية تهدف الى مصادرة أبدية لامكانات تقدم هذه الشعوب. وكانت مصر والمنطقة العربية أرضا مفتوحة لدوائر الغرب الاستعمارية، يحل لها فيها ممارسة كل أنواع النهب والعبث والافقار.

كانت ثورة 23 تموز/يوليو تهدف الى تقدم وتحرير شعب مصر والأمة العربية، من سيطرة القوى الخارجية والقوى الداخلية المتحالفة معها؛ وقد خلصت الى أن الحرية السياسية لشعب مقهورلا وجود لها دون تحقيق الحرية الاقتصادية، وامتلاك الشعب لمقدراته. وهذه لا يمكن لها أن تتحقق دون القضاء على التخلف بوصفه أشد أنواع الاستبداد، عبر التقدم الفكري والتحصيل العلمي والتحديث وزيادة الانتاج، ودون مشاركة المرأة بعد تحريرها وامتلاكها حقوقها، ودون وعي الشعب لتاريخه، ودون القضاء على التجزئة.

كانت الأحزاب السّياسية، في مصر قبل الثورة، اعتادت خداع الجماهير بوهم ممارسة \"الديمقراطية\"، واخضاع الشعب، ليتمكن من حكمه جلادوه عملاء سفارات الدول العظمى المتحكمة بمقدرات أرض مصر، إذ أن تحقيق الديمقراطية السياسية يشترط تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، لتحرير المواطن من العوز بزيادة الانتاج، كما يشترط تمكين الشعب من امتلاك مقدرات الدولة، لتجديد بنائها، من خلال تحويل أداة الدّولة، بما فيها قواتها المسلحة ومنظومة آليتها في العمل، لوضعها في خدمة التقدم وضد أعداء الأمة.

لقد عمد الاستعمار والنخب الملتصقة به، إلى إحباط طموحات الأمة في سعيها إلى الانعتاق، عبر التشكيك في هويتها وانتمائها العربي وتاريخها وحضارتها الإنسانية وأعرافها الاجتماعية وقدراتها الابداعية، ومن ثم الى وصمها بالتقليد والاستعراض النرجسي والاستبداد والالتحاق. إن التحرر من دوائر الغرب الرأسمالية والاستعمار هو في بناء الدولة والمجتمع، وعودة الشعوب الى ممارسة دورها، لتحقيق التقدم عبر الديمقراطية السياسية والاجتماعية القائمتان على التحرر الاقتصادي الدولتي من الغرب، ورفع المقدرة الانتاجية، والوصول الى مجتمع الكفاية والعدل.

إن أعداء التقدم هم أعداء الأمة، وإن الصراع الوحيد هو مع قوى الرأسمال العالمى، والنخب المستوطنة المجندة، والنظم السّياسية والرجعية المتحالفة معه. إن شعوبا صديقة تشارك العرب تاريخ الألم والمعاناة، وعاشت سني الاضطهاد والعبودية، تسعى الى التقدم، وتمتلك القوة الثورية المشاركة. إن تحرر هذه الشعوب، شعوب العالم المستعبدة، نصر للثورة وتحصين لها من أعدائها، لذا كان من الطبيعي أن تلتقي الثورة معها في دوائر تحركها الثلاث العربية والأِفريقية والاسلامية.

تقدمت ثورة 23 تموز/يوليو عبر تجربة مسيرتها بمشروع نهضوي إلى شعب مصر والأمة العربية، درس اسباب التخلف وسبل التحرر، لتوطيد مجتمع عربي ديموقراطي متقدم؛ لذا كان لا بد أن تتحرك الدوائر الاستعمارية للتصدي له واسقاطه، فكان الحصار الاقتصادي، والعدوان الثلاثي عام 56 عقب تأميم مصر قناة السويس العالمية، وكانت مؤامرة فصل الوحدة ايلول عام 61، وبعدها انتكاسة ثورة الجزائر بإسقاط بن بللا، ومن ثم هزم الجيوش العربية عام 67 ردا على اقتراب القوى التحريرية من تخوم النفط في اليمن، ومحاولة القضاء على الثورة الفلسطينية في ايلول عام 1970. لقد كانت أهداف الثورة في الاشتراكية والحرية والوحدة كما أوردها \"الميثاق\" تحمل مفاهيما سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، وصيغا عملية لتنظيم المجتمع في منظومة فكرية متماسكة، تهدف الى تحرير الإنسان العربي، وامتلاكه حريته في مجتمع ديموقراطي متقدم.

تعود ذكرى 23 تموز/يوليو اليوم لتطل على مشهد مأساوي، ساهمت في صنعه بعض النخب الثقافية والسياسية التي حذرت منها الثورة، بعد أن حرّفت تعاليم الثورة وأفرغت مبادئها من مضامينها، وأعادت تحويل نظام الدولة وأداتها لأمرة الرأسمال العالمي، في سعيه الدائب للاستغلال وتنحية الجماهير.

فالمثقف عندما يفقد لسبب ما صلته بالأرض والمجتمع (التكسّب مثلا)، يفقد وعي ذاته -انتماءه-، ويغادر هويته العربية، للعمل ضد ذاته. هنا لا يصبح غير منتمي، أو محايدا، إنما يتحول إلى آخر، الى خصم شرير مستتر، متغرب أو متشرق وفق المنابع الايديولوجية والمصلحية التي استجرته الى انتمائه الجديد، حيث يجهد في تسويق حجج من اتبع، لاسترضائهم، دون النظرالى ما تقتضيه الحقائق العادلة؛ فيصبح في هذه الحالة خائنا وشاهد زور تستوجب ادانته ، إن لم ُيفضح انتماؤه الجديد كمناهض لحرية شعبه وأمانيه وتقدمه.

في هذا المشهد الحاضر، يقف شعب فلسطين وحيدا في معارك الابادة، وشعب العراق تتخاطفه ذئاب في لبوس الحرية والديمقراطية والرفاه، على مرأى أمة عربية مهلهلة الرأي متخالفة يسودها رسالة التشتت والضياع، تستقي -في غياب الوعي- \"مسلماتها اليقينية وآراءها\" من ضجيج آلة الكذب الدعائية الطاحنة، أما قيم الأمة ورسالاتها تسقط مع المهملات. إن لعبة قلب الحقائق والمفاهيم لن تدوم طويلا، اذ علّمت التجربة بأن للشعوب منطقها الحكيم، تميز به أنصارها من أعدائها، وتعرف أسباب التخلف وعوامل التقدم، ومن هو شرعي ومن هو المدعي، وتعرف أبطالها ورموزها فهم حاضرون في المقدمة وان غابوا عن الساحات.

إن الإفقار والقهر أثقال صنعها النهب العالمي، لن تحملها الشعوب في صعودها الى نور الحرية. فمنذ الوهن العثماني بدأت الأمة تعاني من عوامل التجزئة ومن عمليات الإنهاك المنظم التي مارسها الاستعمار المباشر، الذي فرض سياسات التبعية والأحلاف والقواعد العسكرية والمعاهدات المذلة، ثم أحدث الفتن الداخلية وحروب الأطراف في فلسطين ولبنان كان أخطرها الحروب المفروضة على العراق منذ عهد الشاه إلى غزو نيسان عام 2003.

إن العصر الكوني الجديد هو تحول نوعي لتداعيات تطور الرأسمال التقني التراكمي ونشاطه الاستثماري في العالم، اتخذ فيه هذا الرأسمال أبعاداً وقدرات غير محدودة، كان من الطبيعي أن ينتج عنها تشكل قوى جديدة، وبدء غياب أخرى كان لها دورها في الساحة العالمية. فلقد تحجمت في هذا الوضع الجديد منظمات الشرعية الدولية، التي نشأت عقب الحروب الكبرى، من أجل حفظ الأمن والسلام العالميين، وفق شرعة معلنة متفق عليها، وأصبحت تميل إلى تنفيذ مصالح الرأسمال العالمي وشرعنة ممارساته القووية، ومجانبة مصالح الشعوب كما في فلسطين ومناطق العالم المستضعفة والعراق . كماانخفضت في هذا الوضع الجديد القدرات المناهضة لدى الشعوب، ضمن أنظمتها المكرهةً على التبعية، من أن تكون فاعلة على المستوى الاقتصادي والتحريري والسياسي.

ومن مفاعيل هذا التغيير إعادة تشكيل الأنظمة السياسية وإنشاء علاقات دولية جديدة؛ منها الدعوة المروّج لها لتشكيل مايسمى الشرق الأوسط الكبير، حيث يتجزأ فيه القطر التابع إلى وحدات دون قطرية تتبع المركز الرأسمالي في علاقاتها الحيوية، وتلحق تلك الوحدات المجزأة إلى منتظم سياسي شكلي مابعد قومي لتخديم سوق اقتصادية عالمية مفتوحة؛ تخضع المناطق المتخلفة فيه لعمليات نهب واسعة خلال عمليات تسويق البضائع استيراداً وتصديراً. حيث تنعدم الانتاجية الحقيقية لبلاد السوق المجزأة والمحدودة القدرات، وتبعا: استحالة قيام مجتمع مدني، لتذوي بعدها نهائيا قدرات هذه الشعوب.

يبدو أن الادارة الأمريكية، في وضعها كخادمة للرأسمال العالمي ومنفذة لسياساته، تعمل على تنفيذ مخطط هذا الرأسمال بدءا من العراق نموذجا، ليمتد الى شعوب المنطقة الواسعة من حدود الصين الى المحيط الأطلسي، حيث تذوي فيه وحدة الشعوب والقوميات والدول، لتستيقظ على ما قبل النظام الدولتي أساس قيام المجتمع، على الفوضى واقتتال المذاهب والطوائف والاثنيات والقبائل.

اننا لن نستطيع الخروج من هذه المأساة، دون العودة الى روح 23 تموز/يوليو، التي أرست مبادئ التحرر وتقدم الشعوب في المنطقة والعالم، وأكدت أهمية تحرك الشعوب وكفاحها في صنع المستقبل، لقراءة تراثها على ضوء ما استجد من وقائع وأحداث، لاستكشاف السبل الجديدة الملائمة للتحرير.

إن إمكانية العودة إلى مسار تحرر الأمة العربية، يكمن في اعتماد المنطلقات التي رسختها ثورة تموز/يوليو، وفي الاقتداء بنهجها لمعرفة أسباب التخلف وأساليب الارتقاء بالانسان العربي الى الآفاق.

إن وقف العدوان الكوني، المسلط من قبل التحالف الغربي على الشعوب المستضعفة، هو في عالمية الكفاح بدءا من المواقع الساخنة في العالم، وهو في قومية المعركة، وفي وعي الشعوب العربية وارتقائها الى مستوى الفعل الممارس ضدها، وهو في العمل على احتضان المقاومة في كل من فلسطين والعراق.

الخميس، تموز ٠٦، ٢٠٠٦

واقعة الانفصال، افتعلتها الليبرالية السورية ونخب التغرب لإحباط العرب

سليم نقولا محسن

لم يجرؤ أحد على محاكمة الحلم العربي عقب واقعة انفصال 28 أيلول 1961 في دمشق، أو عقب حادثة الكمين العالمي للجيوش العربية في 5 حزيران 1967. إلا أن عبد الناصر، الأمل، قد قتل من داء صدّره الغربُ، احباطاً للعرب وقهراً لهم وحقداً عليهم، في 28 أيلول 1970، أثر ختام محاولة لنحر المقاومة الفلسطينية وإقصائها من الأردن بذات التاريخ.

ولعل حرارة معركة الوطن في العراق قد كشفت للشعوب العربية العلاقة بين ما مضى من أحداث وما لحق بها، وأسباب التحالف العالمي الذي عُقد لإسقاط المشروع القومي العربي في العراق عام 1991، وضرب الحصار على شعبه والعدوان عليه في آذار 2003، ومهزلة مطاردة من بقي من قادة ورموز هذا المشروع، بأمر أمريكي، لقتلهم ومحاكمتهم بجرائم الدفاع عن شرف الأمة والعمل على إنهاضها فوق أرض العراق.

على الرغم من أهمية النضال العربي القومي، الذي اتخذ نهجه بعدا بطوليا بالمعنى الأخلاقي التحريري داخل ارث المجتمع، منذ زمن الإلغاء الطوراني للعروبة واتباع سياسة التتريك عام 1908، ولاحقا في عهد الاستعمار ونفوذه الغربي عقب الحرب الأولى عام 1919، دفاعا عن العروبة كانتماء مصيري لاقامة دولة العرب.إلا أنه لم يكن حاسما.

فلقد أرجعت أبحاث تاريخية الانفصال عن العثمانيين وظهور عوامل التجزئة السياسية في الوطن العربي، الى الأطماع الأوربية التي عمدت على تفكيك الإمبراطورية العثمانية، والى اتفاق دولها، توافقا مع نوازع السيطرة العارية لدولها ولمصالحها آنذاك، على انتزاع واقتسام المناطق العربية التابعة للسلطنة. وقد ترتب على ذلك نشوء كيانات سياسية مشوهة، تقودها نخب متغربة، يحاكي مسارها الاقتصادي والدولتي النموذج الأوروبي ويرتبط به.

ولقد أدى انهيار نظام الدولة العثمانية القديم الى انسحاب، كان ملحوظا، لفاعلية أصحاب الأراضي والنخب المتنورة ذات المنشأ الوطني والطبقة السائدة السابقة عامة، من النشاط الاقتصادي المجتمعي لتلك الكيانات الجديدة.

ولا شك بأن إنجاز وحدة عام 1958 بين سوريا ومصر، وان كان مطلبا ناضلت القوى الشعبية لتحقيقه، وجاء حصيلة انتصارات وطنية وقومية لزعامة الثورة المصرية، كانت قد أكسبتها الثقة لدى شعوب المنطقة؛ إنما كان أيضا مؤشرا على بدء انزياح النظام السياسي الاقتصادي العالمي القديم لبريطانيا وفرنسا لصالح قوى أخرى واصلت صعودها عقب الحرب الثانية، تمثلت في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولاحقا على هامش صراعهما دول عدم الانحياز، وما تبع ذلك من متغيرات لعبت في إعادة تشكيل خارطة النفوذ السياسية للمنطقة والعالم.

كما أن الانفصال الذي حدث في سوريا أواخر أيلول عام 1961، بالرغم مما قيل في أسبابه الداخلية، واختزاله بأخطاء ونهج القيادات آنذاك؛ إنما كان هو أيضا يندرج في إطار لعبة المصالح العالمية الجديدة، وتوجهات منظوماتها الاقتصادية والسياسية لالحاق المناطق المستضعفة في العالم في إطار نفوذها، وإقصاء قياداتها الوطنية، وتأهيل قيادات أخرى مرتبطة، تتلاءم مع مقتضيات الوضع المستقبلي الجديد بتعابير ملطّفة، تتجه الى قبول الظروف المهيئة وأيضا الى المشاركة بإعدادها وتنفيذها، كما كانت قائمة عليه حالة الأحداث والاختلاطات السياسية التي سبقت نكسة عام 1967 وأدت إليها، بغرض توسيع الكيان الصهيوني وتقوية نفوذه على حساب العرب أراض وشعوب ودول، وابقاء فلسطين منطقة متفجرة كمقدمات من أجل مهام تدميرية لاحقة: احتلال العراق ورعاية تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وهكذا فان محاولة لقراءة العلاقات الاقتصادية المجتمعية السورية التي عايشت إقامة الوحدة، ومن ثم الإشكالية التي صاحبت أسباب الانفصال قد تكون ذات جدوى لالقاء الضوء على ما نحن فيه من عثرات.


قبل أن يلوح الاستقلال في سوريا عام 1945، كانت قد شرعت شرائح مهمشة في امتلاك الحركة الاقتصادية الصاعدة على الساحة، بالتواطؤ مع سلطات الانتداب والبعض من عريقي المدن. ثم استكملت مشروعها السلطوي، من خلال ميوعة النظام الاستقلالي وشكلية مساره الديموقراطي، لترسيخ مفهومها المجتمعي، بإطلاق المشروعية الثروتية مقابل شرعية الأعراف القيمية، الذي أتاح لها عبر هيمنته القدرة على التحكم، بواسطة المال الذي اكتسبته في ظروف استثنائية زمن الحرب الثانية، في مرافق الدولة ومؤسساتها، وسلطتها السياسية وقرارها، وبالتالي التصرف بالسوق الداخلية واحتكارها عبر إحكام الحدود، فعملت على استنزاف الناتج القومي ومدخرات المواطنين باسترجاع الرأسمال المدفوع أثمان المنشآت والمؤسسات الاقتصادية التي استقدمتها أولا، والى تخديم الدورة الاقتصادية لصالحها، عبر إفراغ خزينة الدولة، تحت شعار دعم الاقتصاد الوطني وبناء الدولة، بجعل إنفاق الدولة العام ينحصر بتوريم قوى شرائية في جسم الدولة (موظفين-جنود) وحركة اقتصادية وهمية، ضمن آلية شفط مال الشعب واعادة ضخه الى خزائن مؤسساتها ثانيا.

وعلى نمطية في الحكم قريبة من الأنظمة السلطانية ومؤثرات تراكيبها الإقطاعية، استولد الرأسمال المحدث حاشيته واقطاعاته الاقتصادية تحت غطاء "فاعليات الاقتصاد الوطني" صعد بعض أصحابها من القاع، صناعية تجارية مصرفية إدارية أو عسكرية وأمنية، لابقاء سلامة نظام الدولة وشموليته. وأقصيت شرائح اجتماعية تقليدية، كانت سائدة وفاعلة، ومجاميعها الشعبية التابعة. واعتمد في تحقيق ذلك على الدسائس وشراء الذمم وحبك وتنفيذ المؤامرات المُؤتَمرَة من سفارات الدول ذات الشأن في المنطقة، والى تدبير انقلابات عسكرية ديكتاتورية لتسوية المعضلات المستعصية والتناقضات وحفظ الأوضاع واستقرارها.

والى تلك المرحلة ربما يعود تآكل وتشوّه مؤسسات المجتمع المدني السابقة (جمعيات الحرف والاحسان والطوائف والأحياء والأنساب)، بعد أن غزاها الرأسمال وحولها الى واجهات مدعية، وأدوات يناط بها تخريب السلوك العام. وقد أصاب هذا أيضا وظيفة وتركيب الأحزاب السياسية بمسمياتها الليبرالية والديمقراطية، كتجميعات بشرية لعراضات ترتزق من المناسبات، لامحتوى سياسي حقيقي لها ولا اجتماعي، على عكس مثيلات لها كانت نشطت في الثلاثينات وملأت فراغ السلطة وانضوى في صفوفها أصحاب النخوة من شباب أحياء المدن والأرياف، ذوو الحس الوطني والقيمي الأخلاقي، تولت تقديم الخدمات المجانية الى الأهالي من الحماية والمساعدة الى الإنصاف عند حلّ الخلافات، وذلك أيام الانتداب وضعف هيمنة سلطة الدولة. وكان يمكن أن تـُنـَمذَج هذه المبادرات بعد تطويرها لتجمعات مدنية منظمة لاحقة تمتلك برامج وأهداف وتعني بالشأن العام. إلا أن هذه لم تستمر لالتصاقها بالحركة الوطنية كإحدى إفرازاتها، وتبعا لذلك ملاحقة شبابها وقتئذ وتصفية البعض منهم، وتشريد الآخرين وإفقارهم بتحريض من القوى الجديدة، وبتحالف مع سلطات الانتداب.

ورغم مسعى الإقطاع الاقتصادي الجديد، للسيطرة على الدولة والمجتمع، الا أنه فشل حتى بالتعامل مع المتغيرات السياسية الاقتصادية الدولية والإقليمية والمحلية، أو في معرفة المواقع المفصلية في تنازع القوى العالمية ذات الصلة بأوضاعه، كما لم يستوعب مغزى ومضامين اتساع حركات التحرر الوطني، وعواصفها الاجتماعية آنذاك، أو حتى ملامسة الإحساس الشعبي بضرورات التوجه للعمل القومي والاجتماعي كباب يطل على الأمل.

فالشعب في سوريا لوحة تاريخية من فسيفساء بشرية واعية، لتجمعات متناغمة من شعوب حضارية قديمة، تعلمّت أن تتجاوز ذاتها بشروط جغرافية المكان واستيعابه وإمكاناته، وهذه تتجاور وتتداخل وتتزاحم على مساحة واحدة، تمتد عبر حدود اقليميه أحيانا للالتقاء بالآخر المجتمعي الإنساني، الذي يتفاعل بدوره امتداده في داخلها، وأن ما يعنيه الانتماء القومي أي الى هذه الهوية العربية: هو خروج الإنسان في مفهومها الى فضاء ذاته الى الآخر المجاور، لأنه في هذه الحال هو ذاته المقابل لذلك الآخر.

إذن فالانتماء العربي هو خلع لضيق العصبيات المحلية والإقليمية المجاورة والالتقاء بالإنساني، وأنشطة بقائه الحيوية في هذا الفضاء هو فعل التكوين الحضاري. وان ممارسة هذا الفعل ليس بالجديد علي إنسان المنطقة، إنما هو إعادة لدوره المغيّب كصائغ ممتاز للحضارات وفاعل فيها، وكي يفهم وجوده الحالي يجب ربطه بتاريخه العربي، فالعروبة كرسالة قد تفعّلت وأنمت مفهومها الحضاري المعروف في لقاء الداخل والمحيط في تبادل عبور الحدود، وانتشرت مع انطلاقة دمشق الى الفتح والتأسيس الأموي، كما أسست لما قبله من الإبراهيمية الى المسيحية طيلة ألفي عام.

وبهذا المعنى الفريد، وانطلاقا من الموقع الاستراتيجي للمنطقة بالإضافة الى كونها موطن التقاء واستيعاب للحضارات المحيطة والى مساهمات شعبها كمؤسس، اكتسب المفهوم القومي التحريري العربي المتطلع الى دمشق كالتقاء للعواصم مصداقية آمنت بها الشعوب في المناطق العربية الأخرى.

غير أن ضيق أفق الرأسمال المحدث، وأصحابه الطارئين منذ أوائل الثلاثينات الى الخمسينات من القرن العشرين، عمد على توظيف هذه الرؤى والمضامين لمعنى الانتماء العروبي في عمل مضاد استنزافي، نقل شعب المنطقة الى مواجهات وصراعات مصلحية تقفز في فراغ، عبر عملية مخادعة والهاء تحجب أزمات النظام في الداخل وعمليات النهب العام، وإرجاع أسباب تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الى أوهام طوباوية مؤدلجة، من خلال المساهمة في دعم تكوينات من أبناء مجتمعات هامشية –من نوعه- غير منتجة وهذه في أساسها لقائط بشرية كانت قد استقدمت أو هجّرت من أنحاء السلطنة منذ القرن الـ 19 ووضّعت دون تأصيل لها أو تأهيل على أطراف المجتمع المديني المستقر لها سمة التخالف مع وحدة الوطن ومغرمة برفع إعلانات ورايات لأيديولوجيات سياسية لا أرض لها، ( الشيوعيون، الأصوليون، بعض الطوائف، قوميو الأقاليم، انعزاليون ومذهبيون)، لاستخدامها عبر أجواء التحريض في عملية معقدة على الساحة تهدف الى تفعيل جهاز الدولة الوظيفي أداة السيطرة والتنفيذ السلطوي و توسيعه كقوى شرائية، والى إبقاء هذه المجتمعات الهامشية كاحتياطي قوى إنتاج، والى دفعها أحيانا ضمن لعبة التوازنات الديمقراطية المعمول بها، كمعارضة مأجورة ماصة للغضب والأحقاد، أو فلكلور مساعد بين السلطة وأحزاب الساحة الأخرى والقوى الإقليمية والدولية.

وكان من نتائج سياسات هذا الاقتصاد المتورم في حيّز صغير، ذي سوق شرائية محدودة أمام صعود اقتصادي أوروبي وعالمي لسنوات ما بعد الحرب الثانية، ينشط لاستعادة أسواقه وأساليبه التجارية في اعتماد سياسة احتكار السوق واقتسام مناطق النفوذ، ومن ثم تداعيات فورة النفط: تخبّطات في بنية الدولة لا هادي لها، أدخلت الوضع السوري في النفق المظلم، وأدت الى تفاقم خطير دفع بكافة القوى السياسية والشعبية باتجاه الوحدة مع مصر.

كانت دولة الوحدة عام 1958 بقيادتها الوطنية الناهضة، ضامنا سياسيا واجتماعيا، بعد مؤشرات سقوط مشروع الدولة الاستقلالية، التجأت إليها كافة شرائح المجتمع السوري الفاعلة، بمن فيها الإقطاع الاقتصادي بتجلياته من كبار الموظفين والساسة وقيادة الأحزاب الناشطة، وتولى الحماس الصادق لها، أبناء من الشرائح النبيلة التي كانت قد تضررت وأقصيت عن مواقعها الاجتماعية والاقتصادية، وغادرت دورها، وآخرون كانوا قد عاينوا الأفق المسدود لوضعهم من مثقفين وجنود، ومن ثمّ تمثل بهم أجيال من الشباب الفلسطيني ممن عايش النكبة، وفقدان الأرض ومأساة التشرد والغربة في المخيمات وأحسّوا بأهمية العامل القومي لابقاء الوجود، والملاحظ عن بعض هؤلاء أن حماسهم للوحدة كان نتيجة لردود أفعال لأوضاع قهرية سابقة لم ترتق الى الهَمّ العام، ونوع من التسوية الاجتماعية التقليدية لتسهيل قبولهم واندماجهم في مجتمعات اللجوء، أكثر مما هو وَعْيُ الضّرورة الى العمل القومي، ظهر هذا لاحقا بتوالي ارتداد بعضهم وانسحابات آخرين منهم من ساحة العمل السياسي الشاق، وانصرافهم الى تأمين شؤونهم الخاصة.

لقد كانت نكبة عام 48 في فلسطين حدثا كارثيا عربيا، لم تتحمل نتائجه شعوب المنطقة، وخاصة شعب الجوار السوري، غير أن القوى السلطوية فيه لم تدرك خطورة الحدث، ربما لما اعتاده أشخاصها من مكاسب في تعايشهم الودود مع الاحتلال حتى أيام الثورة والمقاومة السورية، واستعذبوا لعبة الخنوع وانتهاز الفرص، فتعاملت هذه مع حدث النكبة باستخفاف، بل جعلته مصدرا جديدا للارتزاق، لقد أحبطت النكبة التطلعات الى التقدم العربي، واغتالت الانعتاق الوليد، وأقامت حدودا مانعة بين شعوب عربية، ودولة غريبة معادية قوية حليفة للغرب تستنزف مستقبلهم.

وكانت الوحدة ردا وهدفا سحريا يتناسب مع الهزيمة وتداعياتها، وأيضا ردا على أخطار تتأتى من أطماع أحلاف وتكتلات سياسية وعسكرية دولية محيطة، لها مشروعها بإخضاع المنطقة ونهب ثرواتها وإفقارها، وكانت الوحدة بداية لمشروع نهضوي قومي عربي التفّت حوله كل فئات الشعب.

إلا أن الممارسات الإجرائية التنفيذية في دولة الوحدة باستخدام عناصر الجهاز التنفيذي القديم، لم تكن تتناسب مع الاستحقاقات المترتبة على حدث قيامها فأثرت سلبا، إذ كان من الطبيعي أن تنتقل الى جسم الدولة الوليد الأزمات المحلية العاصفة والتناقضات، مترافقة ذلك مع طموحات شعب عجول غيّبَ الإجراءات السياسية والتنظيمية الضرورية لسلامة بنيانها ومواجهة أعدائها، على أمل أن يستوعب تلك النقائص حماس الفعل الوحدوي ويتجاوزها.

ومع هذا فقد انقادت القيادة الشعبية آنذاك الى مواجهة أشغلتها، في إقليم أنهكه التسيب والانفلات، وتتناقض تركيبته الدولتية الإدارية والبنيوية مع قيام الدولة الوحدوية، فحاولت القيادة المقاربة بين القطرين عبر طرح مجمل حلول اقتصادية سياسية وعسكرية وسكانية ممكنة على أمل تسوية الأوضاع الشائكة التي لم تكن مهيأة لها بنية الدولة الجديدة.

كان الإقطاع الاقتصادي المحدث بشرائحه المحلية قد اندفع منذ بداية نشوئه، الى إحكام السيطرة على السوق الإقليمية، وكان بقاؤه وامكان توسيع علاقاته التبادلية فيه مرهونا بإزاحة فاعليات الاقتصاد القديم ذات الجذور المدينية - من تجار وحرفيين ومنتجين زراعيين ووسطاء- لاحتكار السوق وتشكيله من جديد وفق قواعده، وامكان اللعب بالتالي بأسعار السلع المنتجة وإقصاء بعضها، ولم يكن هذا بالإمكان دون إجراء تغيير في تقاليد التعامل الدولتي، واللجوء الى حيل لا أخلاقية، تعتمد أساسا على اختراقات أجهزة الدولة بقطاعاتها الإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية، باغراءات الفساد والمال وتطويعها لاستصدار قوانينها.

وقد تسنى لها ذلك مع تدنّي المستوى المعيشي للمواطنين آنذاك وانتشار البطالة والإفقار وتوسع القاع، على أثر التخلخل الذي أحدثه غزو الاقتصاد الحديث، وتضافر أحداث مساعدة –مخلفات الاحتلال والحرب وخراب البلاد- أدت الى تصدع بنى المجتمع القديم وانحلال قدسية أعرافه، وبالتالي ذبول القيم الأخلاقية، قابل ذلك انفتاح انحلالي للمجتمع، ساعد على شراء الذمم.

ومع أن جهاز الدولة آنذاك كان لم يزل من إفراز القوى القديمة وعلاقاتها العرفية والقيمية وممثلة لها، الا أن هذه المعنية كانت من الشرائح الدنيا، وكانت قد انفصلت كطبقة مع الاحتلال الفرنسي باحلال شرائح جديدة في بنيتها ذات خصائص متمايزة يشوبها الضعف الأخلاقي والمسلكي، وبالتالي الى سهولة غزوها من قبل القوى الصاعدة الاقتصادية السياسية المشار اليها وربطها بها، وبالتالي الى استشراء مفاهيم أحلّت نهب المال العام والمجتمع فالإقطاع الاقتصادي السوري هذا لم يلق من القيادة الناصرية ما كان يرجوه لقاء الموافقة على تنازله عن السلطة- وان كان بداية قد وافق بفعل الضرورة- رغم أن بعض شرائحه وأخرى متوسطة منه كانت قد انفلتت من ثغرات واستفادت من اتساع السوق في زمن الوحدة، في جمع الثروات، وان قيادة الوحدة آنذاك وان كانت قد اعتمدت في صفوفها شرائح وطنية عفيفة من المثقفين والعسكريين، الا أنهم لم يكونوا على دراية كافية، كما أن مفهوم الدولة المستقطبة كان المهيمن على تركيبة المسار الاقتصادي السوري ويتناقض مع انفتاح حدود الدولة والعقلية الاحتكارية وبالتالي مع الوحدة شكلا، ودولة بناء مضمونا.

لذا عجزت القيادة الوحدوية عن التحكم بالإدارات والمؤسسات، فالإقطاع الاقتصادي بشرائحه ونخبه المتغربة الداعمة كان له تواجده ونفوذه في استطالات بنيوية ذات أفق ضيق وعقلية انتهازية شرسة تتشعب في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وبقايا الأحزاب السياسية، وهذه لم تكن لتعير أهمية للمصالح الوطنية والقومية المستقبلية أمام استزلامها والرتزاقها الآني في تحرير فلسطين والدولة العربية القومية، وتحقيق العدالة والرفاه الاجتماعي وصيانة الوطن من أعدائه قوام الدولة المتحدة الجديدة، التي كانت تعتمل معاني مفاهيمها في وجدان الجماهير، فتفيض مشاعرها تأييدا حماسيا غامرا للقيادة الوحدوية.

لذا اضطرت القيادة مع علمها بمواضع الخلل الى الاعتماد على من يخالفها في تنفيذ حلولها وتسيير إداراتها مع فقدان ثقتها بالتنظيمات والمؤسسات الشعبية السياسية – وكان يمكن تأسيسها مرحليا بمبادرات شعبية وإشراف سلطوي - على جهاز الدولة القديم ومن ضمنه أفراد الأجهزة الأمنية الفاسدة المعروفة بتجاوزاتها وتبعيتها، ومما ساهم في تفاقم الوضع اندفاع شرائح شعبية واسعة عديمة الخبرة من القاع، عفوية المسعى، لحماية الوحدة عبر توريطها بالعمل الأمني بسيل إخباريات ووشايات لا داع لها أغرقت الدولة في غفلة عن القيادة، مما حول الدولة الى آلة أمنية والى انتشار حالة من الفوضى القمعية دفع إليها واستغلها العناصر المتحكمة، ولم تنتبه القيادة الى ما آل إليه الحال وامكان انتكاس وتبدل الولاء لحسابات فردية مصلحية لا وطنية إلا لاحقا.


وكانت القيادة الوحدوية قد وجدت أن مسيرتها الاقتصادية الداعمة لدولتها لا مخرجا لها إلا بإعادة الوضع الاقتصادي الى صوابه وذلك بإيقاف عطالة الريف واستنزافه:

- أولا عبر زيادة الاهتمام بالمساحات الزراعية الموزعة وتطويرها وتولي رعاية الفلاحين والنهوض بهم والتخطيط لاقامة مشاريع زراعية واعدة وتنفيذها للعودة بطريقة ما الى الاقتصاد الأسروي والاكتفاء الذاتي والعمل على تسويق الفائض منه بتنشيط تبادلي لربط الفلاح بأرضه والحد من تورم المدينة بفقراء الريف.

- وبما أن بنية الدولة السورية قد انتظمت بما يخدم الرأسمال، لذا كان من الصعب تقويم الأمور سياسيا واقتصاديا إلا بإزاحة القائمين على المؤسسات الاقتصادية واحلال دولة الوحدة بمفهومها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مكانهم- ثانيا.

    لذا لجأت السلطة الى التأميم كاجراء سياسي اقتصادي احترازي، للحد من تسيب المال العام، ومن اختناقات الدورة الاقتصادية، عبر إعادة المؤسسات هذه وعائداتها الى الوطن المنهوب، وتوزيع الناتج القومي بشكل منظم متوازن عادل على مختلف قطاعاته، في محاولة لوقف فاعليات الاقتصاد القطري ونفوذه السلطوي والسياسي والمجتمعي بالاتجاه الانفصالي، من أجل إبقاء الوحدة.

    هذا المقترب على تواضعه إنما يقود الى حقيقة بأن سلطة القيادة الوحدوية في سوريا إنما كانت أسمية على أراضي القطر، بينما السلطة الفاعلة على الساحة كانت للرأسمال بأشكاله الصناعية والتجارية والكامبرادورية. أما المثالب فقد حمّلت لقيادة عبد الناصر لإسقاط كل المشاريع القومية والطموحات الشعبية الوطنية بسقوطها، ولينتظر الشعب بعدها كوابيسا ترهقه وواقعا محبطا لا أمل منه.

    فالخطوات السياسية الاحترازية القومية المعلنة بقرارات تموز التي اتخذت لباسا اشتراكيا لم تلامس في مفاعيلها سطح العلاقات الدولتية، ولم يتسنّى لنتائجها أن تُظهر – من تموز القرارات الاشتراكية عام 1961 الى انفصال أيلول من نفس العام- آثارا سلبية أو إيجابية، إنما كانت بمثابة قراءة متفحصة للوضع الخطأ وامكان معالجته، وخطوة جسورة، وكانت رسالة وطنية واجتماعية واضحة لكل الأطراف المعادية.

    لذا كانت الضربة قوية سريعة، فاجأت الشعب والقيادة، رغم الحسابات، في واقعة انفصال الجمهورية العربية المتحدة في دمشق عام 1961 التي لم تغب عنها أنشطة معهد شملان للجاسوسية في لبنان وتحركات السفارة الأمريكية هناك وأموال وتوجيهات السفارة الأمريكية في عمان.

    وهكذا فان توهّج دولة الوحدة، لم ينقذها من العثرات، كما لم يجنبها مواجهات خطرة عصفت بمسارها القصير، على أمل انتظار نضج الظروف، أو وعي يسبر الأعماق. ‍‍‍

    * كاتب قومي عربي يقيم في دمشق.

    بنية المنتظم العربي، ومأزق النخبوية في مواجهة التغيير

    بقلم : سليم نقولا محسن

    * منذ انهزام الجيوش عام 67، وانكفاء المشروع العربي ، وانكسار مسارعديد من الأنظمة ، تبدّى في التحاقيتها،خوفا وهربا.. من تحديات إقليمية ومحلية ، ومن ثم تبدل الوضع الدولي بعد سقوط جدار برلين عام 89 وانهيار السوفييت عام 1991 وفراغ الساحة العربية ، وانكشافها أمام تطلعات النظام الدولي : أصبحت المنطقة واقعا في حكم الاحتلال.. وليس صحيحا في محاكمة العقل ما يشاع عن خطأ المسار العروبي ، في أسباب التردي ، بل الى التوريط لإيقاع الأخطاء في حساب قيادات الأنظمة دون تنزيهها.. أما أمر تنفيذ إسقاطها .. فكان متروكا لظروف القوة العالمية في اختيار الزمان والمكان ؟


    - إلا أن وطأ جيش الحرب الأنكلو أميركي العراق، كان صدمة تجاوزت معرفية الذهن العربي التعاملية.. في مواجهة مغامرة العقل الكوني- ما بعد إقليمي ومجتمعي- لآلة الغرب الاقتصادية ، وتفاعل تحولاتها في تطبيقاتها على الأرض والبشر ..في إباحية تجاوزت المشروعية الدولية، تجسدت في اغتيال العراق، استنهضت بدورها مقاومة وطنية وعروبية ، دفاعا عن وجودها في مواجهة مارينز الاحتلال.. كما أدى هذا إلى فوضى الطروحات الرؤوية ، واختلاط الأفكار وانقلاب المفاهيم..؟وعليه فإن واقعا مضّيعا ، أسقط ما مضى .. يمكن أن يسمح في إعادة البحث والتساؤل عن المسلمات:


    1- هل دول النظام العربي في المعيار الدولتي الغربي، تتخذ الحالة ذاتها توصيفا ومفهوما ثقافويا وسياسيا.. كتعميم لنتائج العلاقات الاقتصادية المدينية على مساحة الدولة الغربية، بما يمكن أن تفضي إليه من تعاقب دوري لأنظمة الحكم" ديمقراطي، دكتاتوري"..؟ ربما تتوافق شكلا مقلدا .. ويتداخل هذا مضمونا مع التراكبية التاريخية لنشأة الدولة الشرقية – المدانة عادة من المنظور الغربي بالإستبداد، حيث هي تعميم لمفهوم نتائج علاقات الإقتصاد الأسروي الزراعي على مساحة الدولة.. ويتكون نظام الحكم فيها من تراكبية تراتبية تتدرج محمولة على القاعدة الفاعلة .. لذا لا يمكن فصل نظام الحكم فيها عن الدولة.. حيث تشكل هذه توازن العلاقات الاقتصادية المجتمعية محققة في النظام القائم، الدولة .. المفوضة والمكلفة حاكميتها بالحفاظ عليها أرضا ورعايا وفق مشروطية الأعراف العدالوية القائمة .. تختزل بالحاكم فيكون تبعا لذلك إما عادلا أو مستبدا ..

    - ومن هذا المقترب في توصيف أنظمة الدول ، تختلف الرؤية ، وآلية إصدار الأحكام.. لذا يبدو إختيار تعبير "المنتظم الاقتصادي المجتمعي" في شروط توازن علاقاته.. أكثر ملاءمة لإزالة اللبس في هذا الموضوع..


    2- ربما سمحت ظروف استثنائية أوجدتها الضرورة للحاق ومواجهة التطور العالمي، إلى نشوء ظاهرة تعلموية ، أغرقت دولا عربية بأعداد من خريجي المدارس والمعاهد والجامعات.. على افتراض أن هذا الإجراء ذي التكلفة العالية يمكن أن يرتقي بالمنتظم السياسي المتخلف اقتصاديا واجتماعيا.. وبالرغم أن شرائحا من هؤلاء تناسجت مع منتظمها بتسلمها مراتب وظيفية فيه، وانشغلت في رفع كفاءته ، إلا أنها في الوقت ذاته ، لم تسهم في إقامة علاقات إنتاجية جديدة .. كما لم يرافق وجودهم النوعي في جسم المجتمع إقامة قاعدة اقتصادية متباينة، يمكن أن تنتج تحولات نوعية في العلاقات الإنتاجية السائدة ، أو تأثيرا في سياساته من موقع قوة إصطفافية على أقل تقدير.. بل إلى كتلة طفيلية نهمة ، أنفصل أفرادها عن مصالح الجسم الاجتماعي ، وتمايزت في استقائها الثقافي الغربي ، وفي تباين طموحاتها المضطربة، مع تقليدية مجتمعها .. بالوقت الذي يدفعها اضطرارها ، إلى الإعتياش على مائدة المنتظم .. مما أدى واقعها هذا إلى الارتداد حقدا متناميا أوقعها في فخ الالتحاق بحراك سياسي لم تنضج ظروفه ، لاغتصاب المنتظم.


    - لكن هل النخبوية العربية : في تنامي محمولها الذهني من مدارس الغرب ، وما استتبع تجسيد هذا في طموحات حركية إنقلابية، لإحلاله في الساحة.. قدرت عبر ذلك أن تنقل أقلوية تواجدها السياسي.. إلى ثنايا الامتداد الشعبي ، وتبعا أن تجيز لذاتها التخادع عبر انتقائية للمفاهيم السلطوية- ومنها الطليعية- أنها البديل الواعي للكتل الجاهلة ..؟


    - فإن كان الجواب سلبا..! إنما يعني هذا أن النخبوية عاشت انفصالا اجتماعيا حقيقيا، على غير ما كانت تأمله تصوراتها -في تفعّيل إحداث التحولات – ليعيش المجتمع أحلامها .. وأن نتائج أنشطتها واقعا، لم تكن في حساب المقدمات، وممارساتها كانت تخريبا وحشيا لبنى مجتمعاتها، إستولد رفضا لها من " المنتظم السياسي" المعني اتخذ طابعا إضطهاديا قهريا ..!!


    * تسرّع النخبويون العرب في الاحتفاء بحرب .. أنهت حسب زعمهم الحروب،وأسقطت ظلم الحكام ، والعالم صار لهم أرحب بعد أن توحّد بالعدل والسلام.. ! الإدارة الأنكلو الأميركية لم تعد خارج الحدود ..! أصبحت تخاطبهم اليوم من منبر العالمية.. وتعنيهم رسائلها عن قيم الحرية والديمقراطية كما ألأنجلو أمريكيين ..لكن الحقيقة أن الإدارة. كانت تتوجه في خطابها ، إلى الإنسان من شعوبها ، فهو لم يزل يتعايش في رضى ،ضمن إطار علاقاتها، مع بقاء قدراتها فاعلة في تصدير أزمات نظامها الجديد ، إلى أرض الإحتلالات، وهذه بما تحمل في ذهنيتها من مخزون ثقافي إستعلائي.. لا يمكن أن تعنيها حقائق قاسية ، عن الجوع والقهر والإبادة ، في الدول المتخلفة ، أو من المسؤول عن حدوثها .. إنما تتطلع باهتمام ، إلى عظمة الإمتداد ، وحجم ثروة الإستثمار.


    - إذن ليست العدالة ما تهدف إليه هذه الإدارة ، ولا طيب أخلاقها يدفعها إلى تصدير وترويج ثلاثية الإتهام- الدكتاتورية، والإرهاب ، وامتلاك أسلحة الدمار- بحق دول محور الشر المارقة ، ولا إلى إدانة سلطاتها رفقا بشعوبها وإنما لما تشكل تلك – المنتظمات السياسية- من حالة وطنية خطرة تعيق، وتهدد المصالح الإستراتيجية للنظام العالمي ومخططاته. .غير أن الإدارة الإحتلالية لم تزل ماضية بلعبة التعمية، وقذف كرات خبث الاهتداء الخلاصي.. بقدر ما تحقق هذه من إلهاء، وارهاق، للشعوب المعنية ، وإيقاع بشرك الإقتتال.. !


    - وهكذا تتوجه الشعوب العربية في مقاومة العدوان، من موقف الدفاع عن الذات المتمثلة بالوطن، وهو منتظمها- الإقتصادي المجتمعي- كموروث متوازن يتجدد بجهدها بنائه،ويتقدم لتخلفه أجيالها القادمة، وفي مسار مضاد لم تعهده الأمم الحديثة، تبرز ظاهرة النخبوية العربية كجماعة – خارجة عن الوطن- في توجهها المؤيد للإحتلال.. في مفاضلة خاطئة بين ظلم يضطهدها، واحتلال يحررها من تخلف المنتظم.


    - إذن في إستثناء لحال إرتباط بعض المثقفين العرب، بدوائر النظام العالمي - تورطا أو طوعا- لإيجاد خروقات في صفوف المنتظم العربي، يبقى التساؤل مشروعا عن الآسباب، خاصة وأن العمل في الشأن الوطني، كان زمنا حكرا على صفوفهم، وهوفي طبيعته يستشرف الأفضل لبناء وتجديد الأوطان. ورغم أن بعضها تعرض في أزمنة التحولات والإنتقال إلى إنعدام وزن وضياع.

    -العثماني العربي، أو الأجنبي العربي- كانت تتصدر العمل السياسي من خلال قيادة حركة التحررالوطني والإجتماعي لتحقيق مشروعها النهضوي ، منذ كانت في رحم العثمانية في تعدد إتجاهاتها – القومية ، الليبرالية،الأصولية، ومن ثم الأممية.


    - إلا أن خطواتها الحراكية التي قد تعثرت في محاولتها التوفيق في أطر مطامح نفعية بين الذاتي، والمحلي، والدولي، نقلتها إلى حالة فصام عن تقليدية مجتمعاتها، أنهت تجربتها الفجة، بعد أن تركت آثارها المأساوية في النظام العربي..غير أن تلمس النخبويات للخطأ ، والإهتداء للطريق القويم، والإعتراف بقصورها ، والجرأة على توصيفه.. قد يسمح بالعودة الى بداية تكوينها، وما رافقه من شوائب انبهار، فرّغ وجودها .. جعلها طيلة زمن في صراع أنهكها بين رغبة ملحّة في الإنسلاخ عن واقعها ، في صيغ إرادة التحول، وفشلها فيه، وبين هوس الإلتحاق، يستثيره حلم رغائبي يوحد ذاتها بمثالها الغربي.. ظهرت بعضا من نماذجه الساذجة، في تأييد الإحتلال.


    - ومن خليط إنتقائي للمفاهيم السياسية ، وتحريض الإصرار النرجسي، صاغت النخبوية بدائلية.. تحل فيها ذاتها عوضا عن ارث السلطانية بقيمها الأبوية اتجاه الرعية، وانبساط سلطتها عليها ، تنمذجت معها ، وقد أوقعها هذا بالضرورة .. في صدامات مع شعوبها.. وصراعات أخرى مع النخب الموازية المشاركة بالساحة، وإلى انزلاق باتجاه آخر عبر محاولة قسر الواقع ليتطابق في قالب أفكارها.. استمدت أنماط تسويقه وممارساته من استعارات غربية، عمل عليها الغرب من موقع أفكار مدارسه النخبوية ، القومية العرقية ، والأممية، لفرضها.. اضطرت إليها النخبوية المحلية كحلول لأزماتها بعد إعراض شعوبها، تمثل هذا في مظهريات استعراضية ، لمليشيات ، وشعارات ، وأعلام.. منذ ما قبل الزمن الإستقلالي.. تورط فيها الشيوعيون العراقيون عام 58، ومن ثم حزب البعث مع بداياته السلطوية لتوطيد مشروع دولته القومية ..ليستخدمها عمليا بعد تعزيزها في ممارسة إقصائية قاسية للنخبويات ذات الثقافويات المغايرة.


    - ثم من خلال المسار العملاني، ووقائع صدامية، تكشفت أمام النخبوية العراقية الحاكمة ، عقم أساليب التطويع..كما ساهم ظهور الأخطار الدولية والخوف من استغلال انقسام الداخل.. في اهتداء العودة إلى المجتمع ، والتدرج في استيعاب أعرافه وتقاليده ، التي تحكم توازن المنتظم وبقاؤه ، لإيجاد حلول وصيغ إندماجية ، تخلصت بموجبها عن طليعيتها القومية، وعلمانيتها التقدمية.

    - قد يبدو ما تقدم مدخلا إلى تلمس الأسباب ، التي أعثرت خطواتها الراهنة ، ومن الأهمية هنا ملاحظة انحسار فاعلية النخبويات خارج الحاكمية ، فرغم تعثر سلطاتها وتجاوزاتها ، لم تتمكن من إنهاض حالة معارضة ، وإنما مثلّت رأيا مخالفا في أفضل الأحوال، دون عمق شعبي أو انتشار ، ولم يكن مرجع هذا إلى الدكتاتورية والخوف، وإنما لتمكن المنتظم السياسي من الإحتواء، بعد رجوع النخبوية الحاكمة إليه ، وحل ذاتها في نسيجه وواقع توازنه ، بما أهلته لها مصادفة مرجعية تكوينها الفكري القومي، وبساطة طروحاته عن العدالة والحرية ..؟


    * بعيدا عن مرامي الإرهاب الإعلامي،ألأنجلو أميركي، المتمثل في إصراره الإستكباري.. على خلط المفاهيم ، وقلب الحقائق، لابعاد الأنظارعن أخطار ماثلة، بغية الخداع ،ودفع الشعوب للعمل ضد ذاتها من خلال إيقاع البلبلة بين صفوفها والتشكيك في مقاصدها.! وأيضا عن الخلل الطاريء في أسس قاعدية المنتظم السياسي الأبوي،بتحول الثروتية الوطنية فيه إلى القمة.. فإن زواجا غير متجانس قد حدث بين طبيعة الحكم في الدول المشرقية البطريركية وأنظمة الحكم الغربية المدينية ، لم يؤد في النهاية إلي تحدّيثها بل إلى فوضى ، تناولت المنتظم السياسي بأكمله، وساهمت في نكوصه.. إذ غابت المرجعيات السياسية المؤسسة على تقليدية الأحكام، المسندة في تكوينها على توارث أعراف ونصوص، تعهدت زمنا بقاء توازن المنتظم..أمام تقدم التكوينات المؤسساتية المحدثة بمفاهيمها الدولتية- نظرية الحكم، إيديولوجية الدولة، والأحزاب..القومانية ، والوطنية- التي تولت مهام النظام السياسي الجديد وقد أدى هذا إلى بروز مشكلات الدولة الحداثية وتعددية الانتماء.. وحقوق سيادية العقائد،والطوائف، والأقليات، وبالتالي الوقوع في فخ العصبيات..وأيضا إلى صعوبة الأداء المؤسساتي وتغريض سلطاتها..


    - إذن كان لا بد أن تنشأ في هذه المرحلة خروقات حقوقية - ساعد عليها، انزياح المرجعية والتغير في تركيبية المجتمع - تمثلت في التحايل، وانتهاك النصوص، واضطراب أخلاقي ،عمم التراخي والفساد، واستولد قوى إجرامية أباحة المجتمع،والى تورط أفراد في نزعات ثأرية تسندها ظاهرة إستخدامية السلطة ضد بعضهم،في هذه الحالة قد ينشأ في المنتظم السياسي المشرقي- ظاهرة إرهاب المجتمع ضد ذاته- يفاقم من أمره..انشغالاته باستهدافات خارجية أو من جماعات الداخل المعادية. /ففي الحالة الطبيعية.شرط بقاء المنتظم الأبوي واستمراره - العدالة- / وهذه محققة في أصول النصوص وقواعد تنفيذها الضابطة لعلاقاته..وأيضا مشاركة المجتمع ذاته في إبقاء توازنه. كما أن مجتمعه محكوم تلقائيا عبرعلاقاته الطوعية المفوضة، في انتاج ذاته وشكل انتظامه السياسي وآلية تقدمه وفق شروطه .لذا تتضاءل فيه احتمالات انفصال الحاكمية وسلطتها عن الشعب ، وتتحول الجماعات الإعتبارية المؤلفة له عن عادة الحلول العقابية المنفردة – مع حقها في إعادتها - ضد أحوال الخروقات العدالوية ، إلى اجتهادات مؤسسات مفوضة داخل منتظمها المختار ، المرمز بالوطن..!؟ ويختلف هذا نوعا عن الغرب حيث يسود فيه انقسام وصراع طبقي سلطوي ،نتاج العلاقات الاقتصادية المدينية، يؤدي إلى الإرهاب، أو إلى نشوء حالات دكتاتورية يصحبها عادة تأييد عصبوي، لنصرة إيديولوجية، ضد أخرى، أو إلى إعادة القوى المتناحرة إلى قسرية انتظامها المؤسسي ..


    - مما تقدم، يبدو أنه من الخطأ النظر إلى أداء المنتظمات السياسية في المنطقة..من مفاهيم الغرب، ونمطية أحكامه، والأقرب إلى الصواب رؤيتها من منظور أحكام الشرق العادلة، في إطارها الحكموي الذي اتسمت به ممالك الشرق، ومنها السلطانية،واعتماد معاييرها في الثواب والعقاب، وفي بيان أسباب الخلل، وسبل الاصلاح، لتحقيق العدالة، وتنهّيج مدارك حاضنة، لحقوق الانسان، وتفاعل الحريات: تحصّّن المجتمع العربي،من استبداد وارهاب الدمقراطيات الغازية.. وخلاف ذلك يمكن أن يوقع في مفاهيم ، يؤدي الأخذ بها إلى هدمه..


    - يقتضي اكتمال توازن منتظم ما - اقتصاديا واجتماعيا- بدء المسار في الطريق القويم،وليست هذه طموحات مترفة ، تناط بقيادته ، إنما هي ضرورة، تتعلق بأمور ذات همّ وطني - رفع المستوى المعيشي ،التمكن من التنمية ، وإدارة الثروات، والقدرات الدفاعية - وإذا أضيف إلى هذا امتلاك المنتظم الثروات الإستراتيجية، وإشغاله وضعا مناطقيا مهما، فبذلك تكمن خطورته / أي في حال استحواذه لتلك الإمكانات/، وبقدرها تتشكل الضغوط عليه ، تحسّبا لما يمكن أن يوقعه في الجوار من استثارات تحريضية محررة .. وهذه الضغوط تتدرج من الحصار السياسي والاقتصادي، إلى التوريط في الحروب الإقليمية، والفتن الداخلية لاستنزافه.. ومن ثم احتلاله.. وأن انجرار شعب المنتظم إلى الدفاع عن ممتلكاته ووجوده ، وتوافقه في ذلك مع قيادته ، وما يتطلبه ذلك من متداخلات سياسية محلية ودولية مقلقة ، قد تكون خطرة ، مع قوى إغتصابية فائقة القدرة ، لا يمكن أن يحسب موقفا عبثيا ، بل واجبا وطنيا ، وحقا طبيعيا ، يؤكد تماسكه ، وصحة مساره، وأن أمانة تنفيذ القيادة لمهامها الوطنية ، انسجاما لمطالب شعبها ، يعزز مصداقيتها، ويجعلها مستهدفة أولا، لإنهاء وجود المنتظم، وإلغاء انتماء شعبه لهويته وحقوقه.. لذا فإن موقفا مخالفا ،إنما يضع أصحابه ، في /ظروف مصيرية مماثلة/ خارج انسجامية المنتظم ومصالحه.. ولا يمكن اعتباره سوى موقفا خيانيا ، مهما علت مراتب أصحابه.. وإن تبنيّ توصيفا مغلوطا مريبا ،لممارسات شعب داخل منتظمه، بل اتهام المنتظم بكامله بالإرهاب، أو من الدول المارقة ، وفق منظور القوى العدوانية ، يمنع عليه حق العون والدفاع عن ذاته في المواجهة، ويبرر لجيوش متقنيّة باغتصابه.. بعد إفصال متعمد لشعب المنتظم عن قيادته ،وإسقاطه بسقوط منتظمه بالاحتلال، ثم يتنطح بوقاحة إرهابية ليبارك له حقه بالمقاومة، ويسبغ عليه شرف الرسوخ الوطني لمحاربته العدوان ، إن هذا الموقف لا وصف له ولأصحابه.. غير التواطؤ المضلل، والانتماء اللا وطني، من ضمن أوصاف أخرى مدانة أقلها العمالة..!؟


    - وكانت التجربة الناصرية قد تعرضت قبلا لمواقف مماثلة ،حين حاولت الإرتقاء بشعبها ، بالإلتقاء بالدوائر المتململة المحيطة، تمثلت بتحرك معادي من أحزاب الداخل الثقافوية- لا وطنية، لا عروبية- مما إضطرتها إلى حلّها ، وبإعلان الحروب عليها- الإقتصادية ، والميدانية - من قبل ذات الدول ، إلا أن الشارع العروبي في مصر وخارجها،كان مصطفا إلى جانب القيادة الناصرية ، لوقف العدوان .. وقد تحسبت الإدارة الأنجلو الأميركية ، في إعداد عدوانها الجديد على العراق ، إلى ضرورة إعلان حرب إعلامية موازية لإلغاء دور الشارع العروبي وقمعه.. ومن الملاحظ بأن غالبية وسائل الإعلام العربي الخاص.. تموّل وترتبط بالمؤسسات الإعلامية الكبرى المسوّقة للنظام العالمي الجديد.. ووجوه إعلامييها هي لثقافويين عرب، ولقوميين ، ويساريين ، وثوريين سابقين ، يبررون وينظرون للمواقف، المستهدفة شعوبهم، كما يتبادلون الخبرات حول تخريبها.. وأجرهم بالدولار ..!؟


    - أيا كانت الأمور فإنه لا يمكن إدانة وضع مقاوم قبل الإحتلال ، ونصرته بعده.. إذ أنه الشعب في الحالتين،وهو المقصود والأساس، وهو من يمتلك مؤسسات منتظمه العسكرية ، والإجرائية ، والتنظيمية ، والسياسية الخ..ويقودها واقعا.. ربما هي رواسب ماضوية قهرية،أو انخداع في مكانة مستقبلية ، يجيد النخبويون التقاط فرصها للكسب وتصفية الحسابات، أما النتيجة فكانت اغتيال العراق..:!؟


    * ومما سبق يتضح بأن الإحتلال ، في سعيه لتحقيق أغراضه المطمعية، هو في الحقيقة إلغاء وحشي للمنتظم السياسي المختار، ويشكل أعلى مراحل الظلم المجتمعي، وهو من ناحية أخرى يعطي مشروعية للعودة إلى مفهوم البدائية الثأرية ، لتحقيق العدالوية المفقودة.. وهو بقدر إلغائه ونفيه للآخر ، يعطي مشروعية النفي المضاد المعبّرعنه بالمواجهة، وهذه لا يمكن أن تقبل من يشرّع ألإحتلال.. أكان هيئات دولية، أو أحزاب مخترقة أو حكومات ، وكل ما يصدر عن الإحتلال - "من حكومة ، ودستور، وقوانين"- فهو حكما يعمل إلى إبقائه، ويمكن أن نرى ملامح هذه المواجهة بالإضافة إلى العنفية المسلحة، في هذا الكم الفوضوي من التجمعات التي بادرت للإعلان عن ذاتها ، تحت غطاء اللافتات السياسية ، وهي استحالات بدائية انبثقت من جديد للجماعات الإعتبارية ، التي كانت تتعايش داخل وحدة المنتظم العراقي ، انطلقت في ممارسات، ومفردات اجتماعية ما قبل دولتية ، وهي شكل من الرفض التائه.. لم يتبلور في صيغته النهائية ، ولم يزل يعيش تحت وطأة الكارثة، وواقعا فالإحتلال يشكل حالة تحريضية دائمة، لاستنهاض المقاومة في تعدد أشكالها الهادئة أو العنيفة ، كما في فلسطين للعودة إلى الحالة التجسّدية في المنتظم الملغى..


    - وليس غريبا أن يزجّ الإحتلال عادة..جماعات يستفزّها الانتماء الوطني ، تلاعبت في تركيبية ذهنيتها منذ نشأتها .. مؤثرات ثقافوية خارجية ، وما اتبع من خطأ في معالجة أوجاعها.. و معظمها قد تكونت في أصولها من منشأ هامشي..لم يرتبط إعتياشها خلاله بعلاقات الأرض الزراعية، أو الحرفية المدينية في المجتمع التي حلّت فيه..لأسباب تعود إلى تاريخيتها المضطهدة ،او إلى قسرية التهجير والتوطين.. مما أوقعها هذا في مأزق الإنتماء الهش إلى الوطن ،وقيمه.. ودفعها داخل أرض سكناها.. إلى الإرتباط بمعتقدات، ترضي رغباتها، ولا تلزمها، وتتجاوز بعالميتها حدود الأوطان، تمثلت باللبرالية، والأصولية الدينية، والماركسية الأممية.


    - وبما أن الموقف السياسي السليم، لا يمكن إخضاعه لأهواء الجماعات والأفراد، وإنما لنتائج التوصيف للأسباب ، والتحليل الموضوعي للوضع السياسي الدولي والمحلي ، والحسابات.. لانتاج مقولات متعقلنة صائبة الأحكام.. نلاحظ إنزلاق النخبوية العربية.. إلى مواقف إرتجالية متناقضة ، أساسها إطلاق لرغبات، تعكس خللا مزمنا في تركيبية بنيتها الذهنية ، ونوعية تراكماتها الفكرية، تظهر في سطحية التعامل مع القضايا المصيرية ، والأحكام المتعلقة بمصائر الأوطان.


    - لا شك بأن حاجة المنتظمات العربية ، للإحتكاك مع التقدم الدولي،قد أنتج وعيا تغييريا فيها يقابل التخلف، اختزنته في صفوفها شرائح نخبوية نشطة.. ولا يمكن إغفال ما يستثيره هذا مع نسبية انتشاره، في الأوساط السكانية ،من مطالب في اتجاه تطوير التعاملات اليومية، وإعادة بحث في مجمل العلاقات المنتظمية ،لرفع كفاءة الأداء الدولتي،ولإيجاد صيغ لوضع متعادل بين مطالب الوعي،وجمود المحافظية ، التي لم تزل تعتمد هذه الكم قياسا، في مسارها الدولتي إرضاء للمطالبية السكانية، كمحصلة لضآلة الفعل النوعي النخبوي، وإبقاء لمكاسب نفعية وفرّها الإستمرار بما هو قائم، وإن هذا قد أوجد تململا،واحتجاجا كامنا..لم يرافقه لجوء الشرائح الناهضة إلى فعل التحرر.


    - ورغم تنشيط بعض النخبويات سياسيا..لإلتقاط هذه الظروف الطارئة على المنتظمات العربية، فإن عدم قدرتها على تشخيص المآزق الدولتية ، يجعل من ممارساتها محاولات تتراوح متخبطة ، تناقض خطابها أحيانا، وتتصادم في أخرى مع توازن المنتظم، فهي تتواصل مع تواجد امتدادها واقعا في بنيوية المؤسسات، التي يتناسج أفرادها فيها، وبعضها لها أشكال إقتصادية تتوضع إلى جانبها، ويعيش هؤلاء من الناتج الإقتصادي العام، ويسهمون فيه..وتبعا لموقعها وصلاتها، فهي تمتلك مؤثرات يمكن توظيفها، نحو الأصلح، دون العودة إلى الحاكمية، إلا أنها في دعواها.. لم تزل تنزع إلى لعبتها،في تضخيم حجمها عبر مصادرة الإحتجاج الشعبي..ثمّ في تغافل عن مصاغها السلطوي السياسي، المبطن والمعلن، وتخالف معه.. تلجأ إلى مخاطبة تزلفية مراوغة لحاكمية المنتظم، دون المؤسسات المعنية فيه.. في ابتزازية مطلبية تعلم استحالة تنفيذها.


    - وعلى هذا فهي تعمد إلى تصدير أزماتها البنيوية والرؤوية ، وإلى تحمّيل منتظماتها العربية ، مسؤؤلية فشل النهوض العربي، والتخلف ، والهزائم المتلاحقة وضياع البلدان، وهي في قصورفعلها السياسي ، تتناسى دور النظام العالمي - تناقض مصالحه مع المنطقة وجموح أطماعه - في إحباط طموحات الشعوب العربية ، بل إلى لجوء البعض منها، عبر مغادرة الوطنية، والالتصاق بالعالمية الاستثمارية.. إلى تبنّي وترويج رؤاها السياسية .. لكن هذا لا يعني براءة المنتظم العربي، في إطار إصرار فاعلياته على توازنه الدولي، والإقليمي ، والمحلي، للبقاء، من الانزلاق إلى إنتاج مضادات التحديث، وإبقاء العيوب البنيوية فيه.


    - ربما كان للنخبويات إسهام في المواقف الحذرة ..إذ أن دعوات الإنقلاب التغييري السابقة، بغض النظرعن صدقها أو خبثها، وبسبب العماء الرؤوي ، حوّلت إلى عمليات تخريب عشوائي في تراكبية البنى الاجتماعية، والاقتصادية، لصالح التواؤمية الغربية.. وهي تنزع إلى تجديد ذاتها الان.. بمفردات أخرى - شيئية- تتحدث عن اهتراء المنتظم وتعذّر الإصلاح ، بما يعني هدمه كإنجاز لها..بالعودة إلى الإستقوائية بالطلائعية ، أو الإحتلال.. دون الإدراك بأن التعاملية تتناول بنى مجتمع حي.. وفي إعلان طاريء يناقض دعواها السابقة بالهدم.. ترجع إلى أولوية مقاومة الإحتلال .!فكيف يمكن أن يتحقق ذلك..؟بما يظهره السؤال من تناقض وعبثية المواقف، بين هدم المنتظم إلغائه، والإبقاء عليه -إصلاحه أو منع الاحتلال عنه- إذ أن هذه لا تؤدي في النهاية إلى الإصلاح، ولا إلى التحرير،وإنما إلى حالة عدمية سياسية، والموافقة الضمنية،على دعوات بقاء الاحتلال المشبوهة ، وشرعيته في فلسطين والعراق، وإسقاط مقولات المقاومة ، والأوطان.

    المأزق البنيوي لحوامل التغيير القومي

    سليم نقولا محسن

    ربما يكون من المفيد أو المفرح التذكير بأن إعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 وقيام دولة الوحدة ، وفق مفهوم العروبة ومقومات وحدة العرب التاريخية واللغوية والاقتصادية الاجتماعية بما انبثق عنها من تعارف لشعوبها ورغبة في إقامة مجتمع واحد لها وأمة واحدة وقومية واحدة، كانت بمثابة انتصار لحركة الشعوب العربية بقيادة طلائعها في مواجهة أعدائها، وبالوقت ذاته إفلاسا لمشروع دولة التجزئة وحكوماتها التي أقامتها إدارات الدول الاستعمارية آنذاك في المنطقة استمرارا لتقاسم النفوذ فيما بينها، وأداة مضمونة لتنفيذ مخططاتها اللاحقة في نهب الشعوب.

    واذا كانت الإدارة الوظيفية للدول القطرية المقامة( البيروقراطية) ومن يلتحق بها من المتعلمين والمثقفين، قد ظهرت بمثابة طلائع التغيير كفئات مجتمعية ممسكة بالدولة تشعر بالغبن من وضعها آنذاك وقد طالها الأذى من نتائج انتكاس أداء الطبقة المتبوعة السيدة – تحالف الإقطاع والرأسمال- وتراجعه وفق ظروفه الى اللاعودة، فان ما طرأ من متغيرات على الساحة الدولية قد ساعد أيضا لأن تجد بعض هذه الشرائح الوظيفية ذاتها على رأس الدولة وفي مواجهة متطلبات قيادتها دون برامج أو رؤى.

    ذلك لكون هذه الطبقة بحسب ظروف تكونها ونشوئها من رحم الدولة القديمة، لم تكن لتمتلك صفة اقتصادية أو نمطية إنتاجية، فهي ليست معنية باستمرار تطوير الظروف لارتقاء الفئات الأخرى إلا بما يتلاءم مع شروطها، كطبقة تابعة كانت تعيش في المؤسسات على حساب الدولة وفي خدمة جميع الطبقات المنتجة، وقد وجدت ذاتها في مأزق حكم دولة لا معنى لها إذ لا سيد لها، ولا برامج، أو أهداف وليست سوى سلة ثروات ومعين لا ينضب للبحبوحة والإثراء لأفرادها خارج رقابة القانون. أو الالتزام بقيادة الدولة لصالح الشعب، وبما أن هذه الطبقة في تجربة تاريخها الوظيفي مناط بها احترام شكلية الدولة وتنفيذ قوانينها لصالح الطبقات السيدة كانت تضمر عداء خفيا أو ظاهرا وعدم احترام للشعب مستمدا من نمطية عقليتها المتوارثة الفوقية بما يخولها ذلك استغلاله وامتهانه.

    لذا نرى تذبذبها وانقسامها التضادي بين شرائحها، أكان في مواقف الالتزام بالشعب، أو العودة الى تسليم الأمور للطبقات المزاحة أو امتلاك الدولة لحسابها.

    وأمام تنازع وفوضى هذه المواقف التي صاحبت مسيرتها، واتجاهات التنابذ والتقابل الاقصائي فيما بينها للاستئثار بالسلطة لاغتصاب الوطن، ومن ثم بين من صار على رأسها ومن بقي خارجها. غالبا ما كان يسهل على الإدارات الغربية ممثلة الرأسمال الاستثماري العالمي تجنيد عملاء لها من هذه الطبقة باغراءات مختلفة، والى أن تلجأ أيضا هذه حتى الى تلميع أفراد منها قابلين للخيانة لتضعهم في موضع القيادة الكاذبة للالتفاف لاحقا بما يتضاد مع مصالح شعوبهم، وكان لوجود مصالح متضررة لقوى خارج الحدود- من قيام الوحدة وتوجهات قيادتها التحريرية الشعبية آنذاك- لم تتوانى عن بث إشاراتها الإيحائية المشجعة أو الداعمة، علاقة في التحرك الداخلي المضاد، وفي تواجد بعض الشراذم المتعاونة لإسقاط تلك الوحدة.

    ومع الفارق الزمني وتغيّر المعطيات-الأسباب والنتائج- لم يكن ما حدث في العراق بعيدا في الجوهر عن هذه الآلية وعن هذه التناحرات النخبوية غير المسؤولة الدافعة ببعض الشرائح العربية منها في المنطقة للتخلي عن الوطن أمام المكاسب، لإسقاط تطلعات الجماهير العربية لامتلاك ثرواتها والتقدم.

    في غياب الظروف الموضوعية لنشوء الدولة الحديثة وفق المنظور الغربي في المنطقة العربية، واستمرار تركيبتها البنيوية ضمن الموروث السلطاني في إطار الدولة المركزية حيث تستحيل النواظم الديمقراطية، لذا فان ما يظهر على السطح من صراع محتدم، يتخندق مع الوطن أو ضده، لا يمكن إدراجه في أي حال ضمن التجاذبات السياسية ذات النوايا الحسنة التي تنشأ عادة بين شرائح الوطن الاجتماعية الاقتصادية المختلفة أو الطبقات ذات المصلحة بما هو أفضل للوطن.

    إنما هو صراع بين النخب يتناول الغاء أو بقاء وجود الوطن ذاته، وبما أن هذا ليس بجديد في المنطقة، وقد اتخذ في مسيرته أشكالا متعددة غامضة ضمن الموروث العثماني، فان هذا يقضي بإعادة النظر لإزالة اللبس في المواقف اتجاه نخب الاصلاح والإصلاحيين العرب والأتراك وغيرهم في حينه، إن كانوا قد تقصدوا بما طرحوه من أفكار وآراء تطبيع الدولة العثمانية مع نموذج إدارة الغرب الناهض بغية تحديثها أم فتح أسواقها وإخضاعها، خاصة وقد شغلت توجهات هؤلاء حيزا مهما في الفكر التنويري على مدى زمني، لم تمنع نتائجها السلبية في إفلاس الدولة السلطانية وانهيارها، من أن تستتبع خطاها النخب اللاحقة.

    وإذا كانت هذه النخب في بناها الفكرية والوظيفية التابعة قد انقسمت بين الموالاة للسلطان، أو الموالاة للغرب زمنها حسب طموحها وقربها من مركز القرار أو بعدها عنه، فان سلالاتها كشرائح تابعة لجهاز الدولة، حيث تنتفي صفتها -كذات نفع- خارج السلطة الحاكمة، فإنها تبعا لنمطيتها وتقليدها المتوارث، تغادر الدولة في ظل ارتخاءات السلطة وانحسار ثروة الدولة وقدرتها على توزيع النفع العام، الى منابع سلطانية ممكنة تضمن الكسب والثروة، كما نلحظ انقسام هذه النخب في الوضع الدولتي الجديد بما ليس له علاقة في الوطن بين الموالاة لمن كان منها له نصيب في حظوة السلطات الحاكمة واقتسام الثروة بما يلحق به من ضرورة الدفاع عن بقاء الوطن، أو الى العداء لمن بقي خارجها.

    بما يعني هذا بقاء معظم هذه النخب على اختلافها تاريخيا، على حافة الطبقات الشعبية المنتجة - في اعتبارها كموضوع نهب لها- تنتظر دورها السلطوي عبر الموالاة للسلطات القائمة أو باستعدائها للبحث عن فرصة للمشاركة في اغتصاب الوطن، بما يفهم منه، أن تحرك بعضها- الحالي- المعادي للنخب السلطوية وان اتخذ شعارات لها وقعها واغراءاتها لا علاقة له بمصلحة الوطن وشعبه، بما يرشحها هذا في حال إفلاسها الى الاستقواء بالقوى الأجنبية لاستدخالها كما حدث في العراق.

    وعليه لا يمكن الاتكاء على اتهام هذه النخب المتضادة مع العروبة وحركة الشعب بالغباء أو الطفولة السياسية، حيث يعمد أفرادها على بتر التاريخ، واجتزاء الجغرافيا، وخربطة العقائد الدينية ومذاهبها، وانتقاء ما يناسب من تجارب الأمم وحركات الشعوب، ليصيغوا مناظيما فكرية ملفقة متخيلة يضحكون بها على شعوبهم، ويرضون أنفسهم، وهم إذ يسوقون مقدمات بخبث ظاهر أو غباء تتناقض في منطقها مع النتائج، إنما يقدمون أنفسهم كنخب متغربة، مقطوعة الجذور عن أرضها وشعوبها شديدة العداء لها مرفوضة حتى من عالم تغربها، غير منتمية إلا لمصالحها النفعية، مغلقة البصر والبصيرة لا عقل لها في سعيها لقلب الحقائق والثوابت، فأسباب احتلال العراق واحتراقه مثلا: هو انتماؤه العروبي وفق منظورها، وبما أنتجه هذا الانتماء من طموح للتقدم أدى الى تخلف واستبداد، لا أطماع الرأسمال الاستثماري العالي ومخططاته التآمرية، وهم في النتيجة ليسوا بأفضل من غلاة العقل السلفي المتحجّر الذين يقدمون جمود الحرف على رؤية العقل، والى إرجاع الأسباب في كل ما يصيب الأرض والإنسان الى الغيب أو الشيطان دون برهان.

    وهكذا فان غياب الموضوعية والبحث العلمي لتاريخ الجماعات موضوع المقارنة، والكسل الذهني المزمن الذي عمل على تسطيح العقل وارتداده الى عقد الفكر التآمري، والمنطق الذرائعي في مواجهة المعضلات، يقود الى انطباع لم يزل يتأكد عن وحدة في الأصول والنمطية والغايات بين هذه النخب، وأن لا فرق جوهري بينها، وأن ما يظهر بينها أحيانا من تقابل خلافي عنيف أو هاديْ حول مصلحة الجماعة، ليس بالحقيقة سوى اختلاف في استخدام مرادفات للمفردات. وهذا ما يجعل من تعدد صيغ إجاباتها عن سؤال في أسباب تردّي حالة الأمة؟ واحدا .! في اتفاقها مثلا- بحسب تكوينها الخانع والمتهرب- على إرجاع السبب الى الضحية، أي الى العروبة: هوية الشعوب المستهدفة وفكر تجديدها.

    وقد ترتب على ذلك معاناة مرهقة – حروب وحصار واستدخال الفتن والمؤامرات- أوقفت تقدم الوطن واستباحته، وهذه لم تزل تساهم في إحداثها هذه النخب المصابة بداء التغرب في كيدية تستجرها من زمن السلطنة القديمة المندثرة، الى الحديثة المتجددة، فالتقدم كما يأمل البعض في الوطن ، لا يأتي من فراغ، لا يسقط بفعل السحر من السماء، وليس في حقيقته سوى فعل بناء وفق أسس علمية ومناهج بحثية ، وجهد من الأبناء في توفير أجواء التقدم وأسبابه بما يقتضي ذلك من رؤية متعمقة لمجريات السياسة العالمية وأهدافها وفعل تحريري لما اغتصب ، والدفاع عن أراض الوطن وشعوبه ومكتسباته ضد أعدائه داخل حدوده وخارجها، وليس بالأمنيات.

    إذن مع ضمور الرؤية المصاحب لتكّون هذه النخب المتغربة واستفحال نتائجه في الوطن، تتشكل مآزقها، ويتعمق افتراقا لها مع مصالح القوى الشعبية المنتجة المرتبطة بالوطن ، فهي في إطار انغلاقها على الموروث المنتج لها (مفاهيم الدولة السلطانية) تنظر الى الشعب والوطن – كمادة نهب- يرتبطان استثمارا وإنتاجا بالطبقة ذات المصلحة( الإقطاع السلطاني والدولة) وهي في حال الدول المقتطعة من الدولة العثمانية لم تطور موقفها كما لم تغير موقعها التابع، رغم الفرص التي سنحت لها من خلال حاجة الدولة الحديثة المركزية الى توسيع قاعدة استخدامها وبالتالي الى امتدادها في مؤسسات الدولة وأجهزتها وكافة نواحي المجتمع.،لذا فمع بوادر تحلل الطبقة الحاكمة لتلك الدول وحاشيتها، كانت تتحول تبعية هذه النخب، ومن المنطقي أن ترى هذه في القوى الخارجية ومخططاتها الاقتصادية والاستثمارية والعسكرية الطبقة الجديدة ذات المصلحة- السيدة- التي يتوجب عليها خدمتها.

    وعليه تصبح الطوائفية، والمذهبية، والعشائرية، والانتماءات العرقية ذرائعا لاستقطاع الوطن،والاختباء خلفها والى استخدامها كأدوات تقدم بها نفسها، كخادمة صالحة للطبقة الجديدة وحاشيتها، وفي هذه الحالة القوى الخارجية الرأسمالية الاستثمارية المتمثلة بإداراتها الأورو أمريكية. لذا فمن الطبيعي أن نرى هذا التذبذب الواضح في مواقف هذه النخب المستبرقة إعلاميا من الإجراءات الاقتراعية التي حصلت في العراق تحت سطوة قوى القمع والإرهاب الاحتلالي، التي تقضي في مضمونها شرعية دخول قوى الاحتلال ، واحلال شرعية الاحتلال المزيفة، عوضا عن شرعية وجود دولة العراق.

    وبينما القوى الوطنية الحقيقية لم تزل تلتزم بالموقف المقاوم الرافض انطلاقا من منظور مصلحتها المرتبط بأوطانها وآفاق مستقبلها، يلحظ تعدد مواقف هذه النخب المتغربة- رغم وفرة ادعاءاتها الوطنية- المتراوحة بين الداعم لهذه الإجراءات ممن استقدمت ودربت من قبل قوى الاحتلال لتنفيذ مخططاته، وبين المترقب الى صيغة توافقية مع الاحتلال كطبقة سيدة أو من ينوب عنه في الحصول على نصائب لها من نهب الوطن، دون الالتفات الى مصلحة الوطن العراقي وطموحات أبنائه في إقامة دولتهم المستقبلية الحرة السيدة الناهضة.

    ولقد كان للتحولات الاقتصادية السياسية التي شهدها العالم أعقاب الحرب الثانية، والتبدلات الحاصلة في موازين القوى العالمية، نتائج سلبية على الطبقات الإقطاعية والرأسمالية وأنماطها السيادية، المتوارثة للنظام الاقتصادي الاجتماعي والسياسي للدولة العثمانية الآفلة أدى بها الى طريق مسدود والى انهيارها وإفلاسها أمام شعوبها في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، لصالح قوى نخبوية صاعدة تعزز دورها وتوسعت في مؤسسات الدولة مع نشوء الدولة القطرية، التي كانت قد أسستها السلطات المنتدبة أو المحتلة بغاية خدمتها أثناء وجودها الاحتلالي أو لاحقا له، وقد أتاح هذا أمام النخب القابضة على الدولة ومؤسساتها بما فيها تفرعاتها من الأحزاب السياسية الطامحة ، الى الانفراد بالدولة عبر تحالفها مع الشعب والامساك بسلطاتها بقيادة أقدر شرائحها وطنية ووعيا وامكانية ونفوذا من عناصر القوات المسلحة.

    ومع تعدد الأحداث الانقلابية في الدول العربية القطرية أعقاب نكبة فلسطين تعبيرا عن الاحتجاج لما كان قائما، أو تنفيسا له، أو سعيا لاحكام سيطرة القوى القديمة أمام مآزق أزماتها. وأيضا بالرغم من الحراك السياسي النشط التي تصدت له النخب الناهضة زمنها عبر أحزابها وقواها في أوساط الجماهير، آلا أنها في معظمها لم تتخطى الواقع الذي كان قائما الى الثورة.

    وكاستثناء لما سبق برزت القيادة العسكرية المصرية- كنخبة متميزة مؤمنة بقضية تحرر شعبها ونهوضه- إذ كانت هذه من أقدرها وأبعدها رؤية ووعيا وحيوية، تجلى هذا في توجهاتها القومية العروبية التحريرية والتقدمية، وفي نوعية ارتباطاتها بالنخب المتماثلة معها في باقي الأقطار العربية، وفي دعم سعيها الى تنحية هيئات الحكم القديمة وارتباطاتها المستنفذة أغراضها في بلدانها، وإسقاط التجزئة المفتعلة كموضوع تفرقة واضعاف للأمة والى إقامة دولة الوحدة العربية منطلقا لقوتها، وأيضا في سعيها لاحقا الى تحقيق مشروعها في إقامة دولة عصرية، والتي أثمرت هذه التوجهات والتحالفات مع القوى السياسية الشعبية العربية الصاعدة وامتداداتها في سوريا الى تحقيق وحدة عام 58 وسط ابتهاج وفرح غمر الشعوب العربية، وشعوب عواصم العالم لمضطهدة التائقة الى التحرر.

    وقد صاحب هذا الحدث الوحدوي بما تضمنت معانيه حماس جماهيري فعّل النضال السياسي للشعوب العربية وأحزابها وكتّل القوى الحية حول قيادات سياسية وحدوية تغييرية في بقية البلاد العربية وخاصة في العراق أثمرت عن تفجّر ثورتها في تموز عام1958 ضد الملكية الرجعية المرتبطة بالمخططات الاستعمارية، وفي لبنان والجزائر واليمن وغيرها من الأقطار العربية.

    وكان لتحالف هذه النخب مع الجماهير وطرح ذاتها بديلا قياديا عن أفراد الطبقات الرجعية القديمة المستنفذة من أجل تقدم المجتمع من أن يدفعها هذا الى الالتفات إلي هذه الجماهير لأجل إنهاض مجتمعي مرتقب عبر رفع كفاءاتها، وذلك بالتخطيط لتقديم خدمات ضرورية لها من تعليم وصحة ورفع لمستوى معيشتها، وهي ضرورية لتماسك الدولة المستحدثة وتقدمها وقوتها، إلا أن هذه القيادات النخبوية الجديدة في سعيها الى إقامة مشروعها النهضوي، لم تستطع أن تخرج من مفاهيم طبيعة مهامها الوظيفية في الدولة القديمة، كشرائح غير منتجة ترتبط بجهاز الدولة الحاكم ،ولا تمتلك نمطية إنتاجية، وبالتالي الى أن تتحدد رؤيتها والى أن تنفتح آفاقها فقط الى تعزيز سلطوية الدولة كأداة إنتاج، بعد تدميج دولتها المقامة في ظل النخبوية المؤمنة بالشعب كمنتج حقيقي وحيد.

    وبما أن هذه النخب كطبقة( بيروقراطية) لا يمكن أن تنتج غير ذاتها ومواصفاتها ونمطية أداءها الموروث، لذا كان اتهام البعض للسلطات التي حكمت وقادت الأنظمة المقامة بالبورجوازية الصغيرة،، والعودة بالتالي الى مفهوم الصراع الطبقي والى قيادة المجتمع من قبل الطبقة الفقيرة ( البروليتاريا) في مجتمع لا طبقات حقيقية فيه لم يقوّم الموقف، إنما قد زاد الأمر سوءا ، ففي الوقت التي كانت الدولة المقامة الحديثة تعاظم من تواجد ودور هذه النخب المطلوب إقصاؤها، فان هذه النخب ذاتها كانت قد غدت واقعا هي الحاملة الوحيدة للتغيير ولم تزل، وكانت تنحدر هذه في المقابل عبر مآزق مفاهيمها الوظيفية في بناء الدولة ودورها ونمطية أداءها الإنتاجي الى استنزاف الدولة.

    ورغم أهمية المتغيرات الدولية الحاصلة في النصف الثاني من القرن العشرين كعامل ساعد في تأزيم أوضاع المنطقة والقوى التقليدية الحاكمة الموضّعة والمستنفذة من قبل دوائر النفوذ الاستعمارية، وفضح عجزها في إقامة مشروع دولة وطنية أمام شعوبها، بما أفسحت هذه من مجال لصعود قوى التغيير النخبوية المشار إليها، المتمثلة بالشرائح الوظيفية التي كانت تشكل جسم الدولة، واصطفافات من القوى السياسية المنضوية في إطار مطلبيه هذه الشرائح، فان عواملا أخرى - داخلية تتعلق في بنيتها وأيضا خارجية- أجهضت مسار هذه النخب الجديدة وجهودها في مشروع بناء مجتمعها القومي المأمول.

    في البداية مع هيمنة النخب الطهرانية المؤمنة مثال – قيادة عبد الناصر- كان الوضع مضمونا عبر السيطرة على أجهزة الدولة ، وفي تحليلها المبسط كان نقل أداة الدولة – جهازها الوظيفي- من خدمة الطبقات القديمة المتحالفة مع الاستعمار الى خدمة الشعب كافيا لتحقيق أهداف الثورة ، كما يمكن تجاوز أزمان التخلف بنقل التكنولوجيا الحديثة والمصانع من الدول المتقدمة، وتدريب سواعد شباب الوطن على استخدامها كافيا أيضا لتحقيق التقدم الاقتصادي وتطور المجتمع، كانت أحلاما وآفاقا زاهية تتراءى لهذه النخب وشعوبها، إلا أن سعي هذه النخب الى استخدام الدولة وجهازها الوظيفي أسير نمطيته في إنجاز مشروعها قد أفضى الى هرمية اقتصادية مقلوبة يستنزف فيها المنتج كل تكاليف الإنتاج والرأسمال، والى هرمية في السلطة والدولة منضبطة قوية لم تألفها الدولة القديمة ، والى استبدال الاقطاعات الزراعية باقطاعات حداثية من نوع جديد - مؤسسات ومصانع وجمعيات - مقبوض عليها ويقودها ثوريون من أبناء الشعب مقربّون من قمة الهرم السلطوي الاقتصادي الاجتماعي- القيادة أو الحاشية- مركز القرار.

    كما اتضح بأن مفهوم ملكية الشعب للدولة عبر تنظيمها المنتخب المتمثل بقيادتها، ليس دقيقا أو صحيحا وذلك بما يمكن أن تسمح به الانتخابات مع طفولة الوعي السياسي وزئبقيته في تسرب انتهازيين ومتكسبين وسماسرة للوطن ولصوص، الى دائرة القرار باسم الشعب، والى إكساب السلطة الشرعية القانونية لاستخدام الملكية العامة، والى اضطرار القيادة الى الاعتماد على الأجهزة الأمنية، والى توسيع مهامها مع توسع مصالح الدولة واهتماماتها لضبط الأمور. وبالتالي الى دفع النخب القيادية للتحول الى طبقة حاكمة لها مواصفات السلطانية السابقة، بما فيها حاشيتها، تمارس قيم وسلوك الطبقات القديمة مقابل الشعب، بدعوى الدفاع عن ذاتها كمركز القرار، أو تخديم الدولة وإمكاناتها إنفاذا لمخططات تعتقد بأنها في مصلحة الشعب. ومع تحول شرعية النخبة من قانون مهام ثورة البناء والتغيير الى شرعية قانون السلطة، تمتلك كلية السلطة الهادمة للدولة، بامتلاك أجهزة السلطة القمعية ومؤسساتها الاقتصادية المتعاظمة.

    وكان لغياب القوى الإنتاجية التقليدية ( الرأسمالية والإقطاع) بما يفترض بها كناهضة بالمجتمع والدولة ، وانقلاب أشباهها في الدولة القطرية الى شرائح مستنفذة ومبتزة، لإنتاجية الطبقات الشعبية وتراجعها، نتائج أدت الى دفع الطبقة الوظيفية ومن ضمنها النخب عبر تحالفها مع الشعب الى إسقاط سلطة هذه الطبقات واقامة سلطة الشعب.

    كما أن اتجاهات تحول سلطة الدولة من شعبية الى مركزية- أغلق دائرة الدولة على النخب- باستجرار شكل الدولة السلطانية ومفهومها، كنتيجة طبيعية لانعدام بنية الدولة الحديثة ومفهومها، وكان من جراء ذلك تسلط شرائح من هذه الطبقة الوظيفية على الدولة ومع ظهور فرص الانتفاع والتكسب والمصالح المرتبطة ببقاء سلطتها – كحالة مضمرة أو معلنة- الى نشوء عقلية احتكار السلطة وسياسة الإقصاء والحرمان.

    وعوضا عن البحث في مجالات لتطوير الإنتاجية خارج وظيفة الدولة، نشأت حالة الاعتياش بالسطو على الدولة، وانغلقت هذه النخب ضمن أطر إنتاجية الدولة مما أدى الى فقدان روح المبادرة والابتكار وجمود هذه الإنتاجية وتآكلها وهدرها لجهد قوة العمل، وضمن عقلية صراع هذه النخب على المغانم، بما ينجم عنه تحول الدولة الى ساحة لهذا الصراع وموضوعه، وإلى التسابق بينها على تفكيك الدولة وبيعها بعد انهيار طموحها في مشروع إقامة دولة متقدمة محررة.

    وتدريجيا مع غياب القيادة النخبوية الطهرانية، وغياب طلائع التغيير، وغموض الرؤية، بالإضافة الى فقدان هذه الطبقة الوظيفية، النمطية الاقتصادية المنتجة، لاستحداث وابتكار مجالات وآليات تطور إنتاجي واقتصادي قد أوقعها في عثرات، والدخول الى حالة الجمود واستهلاك ذاتها ، ومن ثم الى أن تنزلق الدولة للوقوع في الفخ الرأسمالي العالمي والى اضطرار سلطاتها الى تحويل الدولة بما فيها الى موضوع استثمار، والى جعلها أسواق مفتوحة لهذا الرأسمال، وبالتالي تحول سلطتها وإداراتها من السيادة الى الوساطة بين وطن مستهلك ورأسمال عالمي مستثمر تتسلل عبره اغراءات لاثراء غير مشروع، ومن ثم الى مشاركة بعض إداراتها مباشرة أو عبر واجهات اقتصادية معتمدة من قبلها في أصول الرأسمال العالمي المدفوع، بما يؤدي هذا أخيرا الى استنزاف الدولة وانهيارها، والى دخولها كمنطقة تابعة فاقدة السيادة في نظام العولمة
    .