واقعة الانفصال، افتعلتها الليبرالية السورية ونخب التغرب لإحباط العرب
سليم نقولا محسن
لم يجرؤ أحد على محاكمة الحلم العربي عقب واقعة انفصال 28 أيلول 1961 في دمشق، أو عقب حادثة الكمين العالمي للجيوش العربية في 5 حزيران 1967. إلا أن عبد الناصر، الأمل، قد قتل من داء صدّره الغربُ، احباطاً للعرب وقهراً لهم وحقداً عليهم، في 28 أيلول 1970، أثر ختام محاولة لنحر المقاومة الفلسطينية وإقصائها من الأردن بذات التاريخ.
ولعل حرارة معركة الوطن في العراق قد كشفت للشعوب العربية العلاقة بين ما مضى من أحداث وما لحق بها، وأسباب التحالف العالمي الذي عُقد لإسقاط المشروع القومي العربي في العراق عام 1991، وضرب الحصار على شعبه والعدوان عليه في آذار 2003، ومهزلة مطاردة من بقي من قادة ورموز هذا المشروع، بأمر أمريكي، لقتلهم ومحاكمتهم بجرائم الدفاع عن شرف الأمة والعمل على إنهاضها فوق أرض العراق.
على الرغم من أهمية النضال العربي القومي، الذي اتخذ نهجه بعدا بطوليا بالمعنى الأخلاقي التحريري داخل ارث المجتمع، منذ زمن الإلغاء الطوراني للعروبة واتباع سياسة التتريك عام 1908، ولاحقا في عهد الاستعمار ونفوذه الغربي عقب الحرب الأولى عام 1919، دفاعا عن العروبة كانتماء مصيري لاقامة دولة العرب.إلا أنه لم يكن حاسما.
فلقد أرجعت أبحاث تاريخية الانفصال عن العثمانيين وظهور عوامل التجزئة السياسية في الوطن العربي، الى الأطماع الأوربية التي عمدت على تفكيك الإمبراطورية العثمانية، والى اتفاق دولها، توافقا مع نوازع السيطرة العارية لدولها ولمصالحها آنذاك، على انتزاع واقتسام المناطق العربية التابعة للسلطنة. وقد ترتب على ذلك نشوء كيانات سياسية مشوهة، تقودها نخب متغربة، يحاكي مسارها الاقتصادي والدولتي النموذج الأوروبي ويرتبط به.
ولقد أدى انهيار نظام الدولة العثمانية القديم الى انسحاب، كان ملحوظا، لفاعلية أصحاب الأراضي والنخب المتنورة ذات المنشأ الوطني والطبقة السائدة السابقة عامة، من النشاط الاقتصادي المجتمعي لتلك الكيانات الجديدة.
ولا شك بأن إنجاز وحدة عام 1958 بين سوريا ومصر، وان كان مطلبا ناضلت القوى الشعبية لتحقيقه، وجاء حصيلة انتصارات وطنية وقومية لزعامة الثورة المصرية، كانت قد أكسبتها الثقة لدى شعوب المنطقة؛ إنما كان أيضا مؤشرا على بدء انزياح النظام السياسي الاقتصادي العالمي القديم لبريطانيا وفرنسا لصالح قوى أخرى واصلت صعودها عقب الحرب الثانية، تمثلت في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولاحقا على هامش صراعهما دول عدم الانحياز، وما تبع ذلك من متغيرات لعبت في إعادة تشكيل خارطة النفوذ السياسية للمنطقة والعالم.
كما أن الانفصال الذي حدث في سوريا أواخر أيلول عام 1961، بالرغم مما قيل في أسبابه الداخلية، واختزاله بأخطاء ونهج القيادات آنذاك؛ إنما كان هو أيضا يندرج في إطار لعبة المصالح العالمية الجديدة، وتوجهات منظوماتها الاقتصادية والسياسية لالحاق المناطق المستضعفة في العالم في إطار نفوذها، وإقصاء قياداتها الوطنية، وتأهيل قيادات أخرى مرتبطة، تتلاءم مع مقتضيات الوضع المستقبلي الجديد بتعابير ملطّفة، تتجه الى قبول الظروف المهيئة وأيضا الى المشاركة بإعدادها وتنفيذها، كما كانت قائمة عليه حالة الأحداث والاختلاطات السياسية التي سبقت نكسة عام 1967 وأدت إليها، بغرض توسيع الكيان الصهيوني وتقوية نفوذه على حساب العرب أراض وشعوب ودول، وابقاء فلسطين منطقة متفجرة كمقدمات من أجل مهام تدميرية لاحقة: احتلال العراق ورعاية تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وهكذا فان محاولة لقراءة العلاقات الاقتصادية المجتمعية السورية التي عايشت إقامة الوحدة، ومن ثم الإشكالية التي صاحبت أسباب الانفصال قد تكون ذات جدوى لالقاء الضوء على ما نحن فيه من عثرات.
قبل أن يلوح الاستقلال في سوريا عام 1945، كانت قد شرعت شرائح مهمشة في امتلاك الحركة الاقتصادية الصاعدة على الساحة، بالتواطؤ مع سلطات الانتداب والبعض من عريقي المدن. ثم استكملت مشروعها السلطوي، من خلال ميوعة النظام الاستقلالي وشكلية مساره الديموقراطي، لترسيخ مفهومها المجتمعي، بإطلاق المشروعية الثروتية مقابل شرعية الأعراف القيمية، الذي أتاح لها عبر هيمنته القدرة على التحكم، بواسطة المال الذي اكتسبته في ظروف استثنائية زمن الحرب الثانية، في مرافق الدولة ومؤسساتها، وسلطتها السياسية وقرارها، وبالتالي التصرف بالسوق الداخلية واحتكارها عبر إحكام الحدود، فعملت على استنزاف الناتج القومي ومدخرات المواطنين باسترجاع الرأسمال المدفوع أثمان المنشآت والمؤسسات الاقتصادية التي استقدمتها أولا، والى تخديم الدورة الاقتصادية لصالحها، عبر إفراغ خزينة الدولة، تحت شعار دعم الاقتصاد الوطني وبناء الدولة، بجعل إنفاق الدولة العام ينحصر بتوريم قوى شرائية في جسم الدولة (موظفين-جنود) وحركة اقتصادية وهمية، ضمن آلية شفط مال الشعب واعادة ضخه الى خزائن مؤسساتها ثانيا.
وعلى نمطية في الحكم قريبة من الأنظمة السلطانية ومؤثرات تراكيبها الإقطاعية، استولد الرأسمال المحدث حاشيته واقطاعاته الاقتصادية تحت غطاء "فاعليات الاقتصاد الوطني" صعد بعض أصحابها من القاع، صناعية تجارية مصرفية إدارية أو عسكرية وأمنية، لابقاء سلامة نظام الدولة وشموليته. وأقصيت شرائح اجتماعية تقليدية، كانت سائدة وفاعلة، ومجاميعها الشعبية التابعة. واعتمد في تحقيق ذلك على الدسائس وشراء الذمم وحبك وتنفيذ المؤامرات المُؤتَمرَة من سفارات الدول ذات الشأن في المنطقة، والى تدبير انقلابات عسكرية ديكتاتورية لتسوية المعضلات المستعصية والتناقضات وحفظ الأوضاع واستقرارها.
والى تلك المرحلة ربما يعود تآكل وتشوّه مؤسسات المجتمع المدني السابقة (جمعيات الحرف والاحسان والطوائف والأحياء والأنساب)، بعد أن غزاها الرأسمال وحولها الى واجهات مدعية، وأدوات يناط بها تخريب السلوك العام. وقد أصاب هذا أيضا وظيفة وتركيب الأحزاب السياسية بمسمياتها الليبرالية والديمقراطية، كتجميعات بشرية لعراضات ترتزق من المناسبات، لامحتوى سياسي حقيقي لها ولا اجتماعي، على عكس مثيلات لها كانت نشطت في الثلاثينات وملأت فراغ السلطة وانضوى في صفوفها أصحاب النخوة من شباب أحياء المدن والأرياف، ذوو الحس الوطني والقيمي الأخلاقي، تولت تقديم الخدمات المجانية الى الأهالي من الحماية والمساعدة الى الإنصاف عند حلّ الخلافات، وذلك أيام الانتداب وضعف هيمنة سلطة الدولة. وكان يمكن أن تـُنـَمذَج هذه المبادرات بعد تطويرها لتجمعات مدنية منظمة لاحقة تمتلك برامج وأهداف وتعني بالشأن العام. إلا أن هذه لم تستمر لالتصاقها بالحركة الوطنية كإحدى إفرازاتها، وتبعا لذلك ملاحقة شبابها وقتئذ وتصفية البعض منهم، وتشريد الآخرين وإفقارهم بتحريض من القوى الجديدة، وبتحالف مع سلطات الانتداب.
ورغم مسعى الإقطاع الاقتصادي الجديد، للسيطرة على الدولة والمجتمع، الا أنه فشل حتى بالتعامل مع المتغيرات السياسية الاقتصادية الدولية والإقليمية والمحلية، أو في معرفة المواقع المفصلية في تنازع القوى العالمية ذات الصلة بأوضاعه، كما لم يستوعب مغزى ومضامين اتساع حركات التحرر الوطني، وعواصفها الاجتماعية آنذاك، أو حتى ملامسة الإحساس الشعبي بضرورات التوجه للعمل القومي والاجتماعي كباب يطل على الأمل.
فالشعب في سوريا لوحة تاريخية من فسيفساء بشرية واعية، لتجمعات متناغمة من شعوب حضارية قديمة، تعلمّت أن تتجاوز ذاتها بشروط جغرافية المكان واستيعابه وإمكاناته، وهذه تتجاور وتتداخل وتتزاحم على مساحة واحدة، تمتد عبر حدود اقليميه أحيانا للالتقاء بالآخر المجتمعي الإنساني، الذي يتفاعل بدوره امتداده في داخلها، وأن ما يعنيه الانتماء القومي أي الى هذه الهوية العربية: هو خروج الإنسان في مفهومها الى فضاء ذاته الى الآخر المجاور، لأنه في هذه الحال هو ذاته المقابل لذلك الآخر.
إذن فالانتماء العربي هو خلع لضيق العصبيات المحلية والإقليمية المجاورة والالتقاء بالإنساني، وأنشطة بقائه الحيوية في هذا الفضاء هو فعل التكوين الحضاري. وان ممارسة هذا الفعل ليس بالجديد علي إنسان المنطقة، إنما هو إعادة لدوره المغيّب كصائغ ممتاز للحضارات وفاعل فيها، وكي يفهم وجوده الحالي يجب ربطه بتاريخه العربي، فالعروبة كرسالة قد تفعّلت وأنمت مفهومها الحضاري المعروف في لقاء الداخل والمحيط في تبادل عبور الحدود، وانتشرت مع انطلاقة دمشق الى الفتح والتأسيس الأموي، كما أسست لما قبله من الإبراهيمية الى المسيحية طيلة ألفي عام.
وبهذا المعنى الفريد، وانطلاقا من الموقع الاستراتيجي للمنطقة بالإضافة الى كونها موطن التقاء واستيعاب للحضارات المحيطة والى مساهمات شعبها كمؤسس، اكتسب المفهوم القومي التحريري العربي المتطلع الى دمشق كالتقاء للعواصم مصداقية آمنت بها الشعوب في المناطق العربية الأخرى.
غير أن ضيق أفق الرأسمال المحدث، وأصحابه الطارئين منذ أوائل الثلاثينات الى الخمسينات من القرن العشرين، عمد على توظيف هذه الرؤى والمضامين لمعنى الانتماء العروبي في عمل مضاد استنزافي، نقل شعب المنطقة الى مواجهات وصراعات مصلحية تقفز في فراغ، عبر عملية مخادعة والهاء تحجب أزمات النظام في الداخل وعمليات النهب العام، وإرجاع أسباب تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الى أوهام طوباوية مؤدلجة، من خلال المساهمة في دعم تكوينات من أبناء مجتمعات هامشية –من نوعه- غير منتجة وهذه في أساسها لقائط بشرية كانت قد استقدمت أو هجّرت من أنحاء السلطنة منذ القرن الـ 19 ووضّعت دون تأصيل لها أو تأهيل على أطراف المجتمع المديني المستقر لها سمة التخالف مع وحدة الوطن ومغرمة برفع إعلانات ورايات لأيديولوجيات سياسية لا أرض لها، ( الشيوعيون، الأصوليون، بعض الطوائف، قوميو الأقاليم، انعزاليون ومذهبيون)، لاستخدامها عبر أجواء التحريض في عملية معقدة على الساحة تهدف الى تفعيل جهاز الدولة الوظيفي أداة السيطرة والتنفيذ السلطوي و توسيعه كقوى شرائية، والى إبقاء هذه المجتمعات الهامشية كاحتياطي قوى إنتاج، والى دفعها أحيانا ضمن لعبة التوازنات الديمقراطية المعمول بها، كمعارضة مأجورة ماصة للغضب والأحقاد، أو فلكلور مساعد بين السلطة وأحزاب الساحة الأخرى والقوى الإقليمية والدولية.
وكان من نتائج سياسات هذا الاقتصاد المتورم في حيّز صغير، ذي سوق شرائية محدودة أمام صعود اقتصادي أوروبي وعالمي لسنوات ما بعد الحرب الثانية، ينشط لاستعادة أسواقه وأساليبه التجارية في اعتماد سياسة احتكار السوق واقتسام مناطق النفوذ، ومن ثم تداعيات فورة النفط: تخبّطات في بنية الدولة لا هادي لها، أدخلت الوضع السوري في النفق المظلم، وأدت الى تفاقم خطير دفع بكافة القوى السياسية والشعبية باتجاه الوحدة مع مصر.
كانت دولة الوحدة عام 1958 بقيادتها الوطنية الناهضة، ضامنا سياسيا واجتماعيا، بعد مؤشرات سقوط مشروع الدولة الاستقلالية، التجأت إليها كافة شرائح المجتمع السوري الفاعلة، بمن فيها الإقطاع الاقتصادي بتجلياته من كبار الموظفين والساسة وقيادة الأحزاب الناشطة، وتولى الحماس الصادق لها، أبناء من الشرائح النبيلة التي كانت قد تضررت وأقصيت عن مواقعها الاجتماعية والاقتصادية، وغادرت دورها، وآخرون كانوا قد عاينوا الأفق المسدود لوضعهم من مثقفين وجنود، ومن ثمّ تمثل بهم أجيال من الشباب الفلسطيني ممن عايش النكبة، وفقدان الأرض ومأساة التشرد والغربة في المخيمات وأحسّوا بأهمية العامل القومي لابقاء الوجود، والملاحظ عن بعض هؤلاء أن حماسهم للوحدة كان نتيجة لردود أفعال لأوضاع قهرية سابقة لم ترتق الى الهَمّ العام، ونوع من التسوية الاجتماعية التقليدية لتسهيل قبولهم واندماجهم في مجتمعات اللجوء، أكثر مما هو وَعْيُ الضّرورة الى العمل القومي، ظهر هذا لاحقا بتوالي ارتداد بعضهم وانسحابات آخرين منهم من ساحة العمل السياسي الشاق، وانصرافهم الى تأمين شؤونهم الخاصة.
لقد كانت نكبة عام 48 في فلسطين حدثا كارثيا عربيا، لم تتحمل نتائجه شعوب المنطقة، وخاصة شعب الجوار السوري، غير أن القوى السلطوية فيه لم تدرك خطورة الحدث، ربما لما اعتاده أشخاصها من مكاسب في تعايشهم الودود مع الاحتلال حتى أيام الثورة والمقاومة السورية، واستعذبوا لعبة الخنوع وانتهاز الفرص، فتعاملت هذه مع حدث النكبة باستخفاف، بل جعلته مصدرا جديدا للارتزاق، لقد أحبطت النكبة التطلعات الى التقدم العربي، واغتالت الانعتاق الوليد، وأقامت حدودا مانعة بين شعوب عربية، ودولة غريبة معادية قوية حليفة للغرب تستنزف مستقبلهم.
وكانت الوحدة ردا وهدفا سحريا يتناسب مع الهزيمة وتداعياتها، وأيضا ردا على أخطار تتأتى من أطماع أحلاف وتكتلات سياسية وعسكرية دولية محيطة، لها مشروعها بإخضاع المنطقة ونهب ثرواتها وإفقارها، وكانت الوحدة بداية لمشروع نهضوي قومي عربي التفّت حوله كل فئات الشعب.
إلا أن الممارسات الإجرائية التنفيذية في دولة الوحدة باستخدام عناصر الجهاز التنفيذي القديم، لم تكن تتناسب مع الاستحقاقات المترتبة على حدث قيامها فأثرت سلبا، إذ كان من الطبيعي أن تنتقل الى جسم الدولة الوليد الأزمات المحلية العاصفة والتناقضات، مترافقة ذلك مع طموحات شعب عجول غيّبَ الإجراءات السياسية والتنظيمية الضرورية لسلامة بنيانها ومواجهة أعدائها، على أمل أن يستوعب تلك النقائص حماس الفعل الوحدوي ويتجاوزها.
ومع هذا فقد انقادت القيادة الشعبية آنذاك الى مواجهة أشغلتها، في إقليم أنهكه التسيب والانفلات، وتتناقض تركيبته الدولتية الإدارية والبنيوية مع قيام الدولة الوحدوية، فحاولت القيادة المقاربة بين القطرين عبر طرح مجمل حلول اقتصادية سياسية وعسكرية وسكانية ممكنة على أمل تسوية الأوضاع الشائكة التي لم تكن مهيأة لها بنية الدولة الجديدة.
كان الإقطاع الاقتصادي المحدث بشرائحه المحلية قد اندفع منذ بداية نشوئه، الى إحكام السيطرة على السوق الإقليمية، وكان بقاؤه وامكان توسيع علاقاته التبادلية فيه مرهونا بإزاحة فاعليات الاقتصاد القديم ذات الجذور المدينية - من تجار وحرفيين ومنتجين زراعيين ووسطاء- لاحتكار السوق وتشكيله من جديد وفق قواعده، وامكان اللعب بالتالي بأسعار السلع المنتجة وإقصاء بعضها، ولم يكن هذا بالإمكان دون إجراء تغيير في تقاليد التعامل الدولتي، واللجوء الى حيل لا أخلاقية، تعتمد أساسا على اختراقات أجهزة الدولة بقطاعاتها الإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية، باغراءات الفساد والمال وتطويعها لاستصدار قوانينها.
وقد تسنى لها ذلك مع تدنّي المستوى المعيشي للمواطنين آنذاك وانتشار البطالة والإفقار وتوسع القاع، على أثر التخلخل الذي أحدثه غزو الاقتصاد الحديث، وتضافر أحداث مساعدة –مخلفات الاحتلال والحرب وخراب البلاد- أدت الى تصدع بنى المجتمع القديم وانحلال قدسية أعرافه، وبالتالي ذبول القيم الأخلاقية، قابل ذلك انفتاح انحلالي للمجتمع، ساعد على شراء الذمم.
ومع أن جهاز الدولة آنذاك كان لم يزل من إفراز القوى القديمة وعلاقاتها العرفية والقيمية وممثلة لها، الا أن هذه المعنية كانت من الشرائح الدنيا، وكانت قد انفصلت كطبقة مع الاحتلال الفرنسي باحلال شرائح جديدة في بنيتها ذات خصائص متمايزة يشوبها الضعف الأخلاقي والمسلكي، وبالتالي الى سهولة غزوها من قبل القوى الصاعدة الاقتصادية السياسية المشار اليها وربطها بها، وبالتالي الى استشراء مفاهيم أحلّت نهب المال العام والمجتمع فالإقطاع الاقتصادي السوري هذا لم يلق من القيادة الناصرية ما كان يرجوه لقاء الموافقة على تنازله عن السلطة- وان كان بداية قد وافق بفعل الضرورة- رغم أن بعض شرائحه وأخرى متوسطة منه كانت قد انفلتت من ثغرات واستفادت من اتساع السوق في زمن الوحدة، في جمع الثروات، وان قيادة الوحدة آنذاك وان كانت قد اعتمدت في صفوفها شرائح وطنية عفيفة من المثقفين والعسكريين، الا أنهم لم يكونوا على دراية كافية، كما أن مفهوم الدولة المستقطبة كان المهيمن على تركيبة المسار الاقتصادي السوري ويتناقض مع انفتاح حدود الدولة والعقلية الاحتكارية وبالتالي مع الوحدة شكلا، ودولة بناء مضمونا.
لذا عجزت القيادة الوحدوية عن التحكم بالإدارات والمؤسسات، فالإقطاع الاقتصادي بشرائحه ونخبه المتغربة الداعمة كان له تواجده ونفوذه في استطالات بنيوية ذات أفق ضيق وعقلية انتهازية شرسة تتشعب في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وبقايا الأحزاب السياسية، وهذه لم تكن لتعير أهمية للمصالح الوطنية والقومية المستقبلية أمام استزلامها والرتزاقها الآني في تحرير فلسطين والدولة العربية القومية، وتحقيق العدالة والرفاه الاجتماعي وصيانة الوطن من أعدائه قوام الدولة المتحدة الجديدة، التي كانت تعتمل معاني مفاهيمها في وجدان الجماهير، فتفيض مشاعرها تأييدا حماسيا غامرا للقيادة الوحدوية.
لذا اضطرت القيادة مع علمها بمواضع الخلل الى الاعتماد على من يخالفها في تنفيذ حلولها وتسيير إداراتها مع فقدان ثقتها بالتنظيمات والمؤسسات الشعبية السياسية – وكان يمكن تأسيسها مرحليا بمبادرات شعبية وإشراف سلطوي - على جهاز الدولة القديم ومن ضمنه أفراد الأجهزة الأمنية الفاسدة المعروفة بتجاوزاتها وتبعيتها، ومما ساهم في تفاقم الوضع اندفاع شرائح شعبية واسعة عديمة الخبرة من القاع، عفوية المسعى، لحماية الوحدة عبر توريطها بالعمل الأمني بسيل إخباريات ووشايات لا داع لها أغرقت الدولة في غفلة عن القيادة، مما حول الدولة الى آلة أمنية والى انتشار حالة من الفوضى القمعية دفع إليها واستغلها العناصر المتحكمة، ولم تنتبه القيادة الى ما آل إليه الحال وامكان انتكاس وتبدل الولاء لحسابات فردية مصلحية لا وطنية إلا لاحقا.
وكانت القيادة الوحدوية قد وجدت أن مسيرتها الاقتصادية الداعمة لدولتها لا مخرجا لها إلا بإعادة الوضع الاقتصادي الى صوابه وذلك بإيقاف عطالة الريف واستنزافه:
- أولا عبر زيادة الاهتمام بالمساحات الزراعية الموزعة وتطويرها وتولي رعاية الفلاحين والنهوض بهم والتخطيط لاقامة مشاريع زراعية واعدة وتنفيذها للعودة بطريقة ما الى الاقتصاد الأسروي والاكتفاء الذاتي والعمل على تسويق الفائض منه بتنشيط تبادلي لربط الفلاح بأرضه والحد من تورم المدينة بفقراء الريف.
- وبما أن بنية الدولة السورية قد انتظمت بما يخدم الرأسمال، لذا كان من الصعب تقويم الأمور سياسيا واقتصاديا إلا بإزاحة القائمين على المؤسسات الاقتصادية واحلال دولة الوحدة بمفهومها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي مكانهم- ثانيا.
لذا لجأت السلطة الى التأميم كاجراء سياسي اقتصادي احترازي، للحد من تسيب المال العام، ومن اختناقات الدورة الاقتصادية، عبر إعادة المؤسسات هذه وعائداتها الى الوطن المنهوب، وتوزيع الناتج القومي بشكل منظم متوازن عادل على مختلف قطاعاته، في محاولة لوقف فاعليات الاقتصاد القطري ونفوذه السلطوي والسياسي والمجتمعي بالاتجاه الانفصالي، من أجل إبقاء الوحدة.
هذا المقترب على تواضعه إنما يقود الى حقيقة بأن سلطة القيادة الوحدوية في سوريا إنما كانت أسمية على أراضي القطر، بينما السلطة الفاعلة على الساحة كانت للرأسمال بأشكاله الصناعية والتجارية والكامبرادورية. أما المثالب فقد حمّلت لقيادة عبد الناصر لإسقاط كل المشاريع القومية والطموحات الشعبية الوطنية بسقوطها، ولينتظر الشعب بعدها كوابيسا ترهقه وواقعا محبطا لا أمل منه.
فالخطوات السياسية الاحترازية القومية المعلنة بقرارات تموز التي اتخذت لباسا اشتراكيا لم تلامس في مفاعيلها سطح العلاقات الدولتية، ولم يتسنّى لنتائجها أن تُظهر – من تموز القرارات الاشتراكية عام 1961 الى انفصال أيلول من نفس العام- آثارا سلبية أو إيجابية، إنما كانت بمثابة قراءة متفحصة للوضع الخطأ وامكان معالجته، وخطوة جسورة، وكانت رسالة وطنية واجتماعية واضحة لكل الأطراف المعادية.
لذا كانت الضربة قوية سريعة، فاجأت الشعب والقيادة، رغم الحسابات، في واقعة انفصال الجمهورية العربية المتحدة في دمشق عام 1961 التي لم تغب عنها أنشطة معهد شملان للجاسوسية في لبنان وتحركات السفارة الأمريكية هناك وأموال وتوجيهات السفارة الأمريكية في عمان.
وهكذا فان توهّج دولة الوحدة، لم ينقذها من العثرات، كما لم يجنبها مواجهات خطرة عصفت بمسارها القصير، على أمل انتظار نضج الظروف، أو وعي يسبر الأعماق.
* كاتب قومي عربي يقيم في دمشق.


0 Comments:
إرسال تعليق
<< تعليقات