.. سليم نقولا محسن ..

إلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم لنخوض مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، كفاحا لا يهدأ حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان

الخميس، تموز ٠٦، ٢٠٠٦

بنية المنتظم العربي، ومأزق النخبوية في مواجهة التغيير

بقلم : سليم نقولا محسن

* منذ انهزام الجيوش عام 67، وانكفاء المشروع العربي ، وانكسار مسارعديد من الأنظمة ، تبدّى في التحاقيتها،خوفا وهربا.. من تحديات إقليمية ومحلية ، ومن ثم تبدل الوضع الدولي بعد سقوط جدار برلين عام 89 وانهيار السوفييت عام 1991 وفراغ الساحة العربية ، وانكشافها أمام تطلعات النظام الدولي : أصبحت المنطقة واقعا في حكم الاحتلال.. وليس صحيحا في محاكمة العقل ما يشاع عن خطأ المسار العروبي ، في أسباب التردي ، بل الى التوريط لإيقاع الأخطاء في حساب قيادات الأنظمة دون تنزيهها.. أما أمر تنفيذ إسقاطها .. فكان متروكا لظروف القوة العالمية في اختيار الزمان والمكان ؟


- إلا أن وطأ جيش الحرب الأنكلو أميركي العراق، كان صدمة تجاوزت معرفية الذهن العربي التعاملية.. في مواجهة مغامرة العقل الكوني- ما بعد إقليمي ومجتمعي- لآلة الغرب الاقتصادية ، وتفاعل تحولاتها في تطبيقاتها على الأرض والبشر ..في إباحية تجاوزت المشروعية الدولية، تجسدت في اغتيال العراق، استنهضت بدورها مقاومة وطنية وعروبية ، دفاعا عن وجودها في مواجهة مارينز الاحتلال.. كما أدى هذا إلى فوضى الطروحات الرؤوية ، واختلاط الأفكار وانقلاب المفاهيم..؟وعليه فإن واقعا مضّيعا ، أسقط ما مضى .. يمكن أن يسمح في إعادة البحث والتساؤل عن المسلمات:


1- هل دول النظام العربي في المعيار الدولتي الغربي، تتخذ الحالة ذاتها توصيفا ومفهوما ثقافويا وسياسيا.. كتعميم لنتائج العلاقات الاقتصادية المدينية على مساحة الدولة الغربية، بما يمكن أن تفضي إليه من تعاقب دوري لأنظمة الحكم" ديمقراطي، دكتاتوري"..؟ ربما تتوافق شكلا مقلدا .. ويتداخل هذا مضمونا مع التراكبية التاريخية لنشأة الدولة الشرقية – المدانة عادة من المنظور الغربي بالإستبداد، حيث هي تعميم لمفهوم نتائج علاقات الإقتصاد الأسروي الزراعي على مساحة الدولة.. ويتكون نظام الحكم فيها من تراكبية تراتبية تتدرج محمولة على القاعدة الفاعلة .. لذا لا يمكن فصل نظام الحكم فيها عن الدولة.. حيث تشكل هذه توازن العلاقات الاقتصادية المجتمعية محققة في النظام القائم، الدولة .. المفوضة والمكلفة حاكميتها بالحفاظ عليها أرضا ورعايا وفق مشروطية الأعراف العدالوية القائمة .. تختزل بالحاكم فيكون تبعا لذلك إما عادلا أو مستبدا ..

- ومن هذا المقترب في توصيف أنظمة الدول ، تختلف الرؤية ، وآلية إصدار الأحكام.. لذا يبدو إختيار تعبير "المنتظم الاقتصادي المجتمعي" في شروط توازن علاقاته.. أكثر ملاءمة لإزالة اللبس في هذا الموضوع..


2- ربما سمحت ظروف استثنائية أوجدتها الضرورة للحاق ومواجهة التطور العالمي، إلى نشوء ظاهرة تعلموية ، أغرقت دولا عربية بأعداد من خريجي المدارس والمعاهد والجامعات.. على افتراض أن هذا الإجراء ذي التكلفة العالية يمكن أن يرتقي بالمنتظم السياسي المتخلف اقتصاديا واجتماعيا.. وبالرغم أن شرائحا من هؤلاء تناسجت مع منتظمها بتسلمها مراتب وظيفية فيه، وانشغلت في رفع كفاءته ، إلا أنها في الوقت ذاته ، لم تسهم في إقامة علاقات إنتاجية جديدة .. كما لم يرافق وجودهم النوعي في جسم المجتمع إقامة قاعدة اقتصادية متباينة، يمكن أن تنتج تحولات نوعية في العلاقات الإنتاجية السائدة ، أو تأثيرا في سياساته من موقع قوة إصطفافية على أقل تقدير.. بل إلى كتلة طفيلية نهمة ، أنفصل أفرادها عن مصالح الجسم الاجتماعي ، وتمايزت في استقائها الثقافي الغربي ، وفي تباين طموحاتها المضطربة، مع تقليدية مجتمعها .. بالوقت الذي يدفعها اضطرارها ، إلى الإعتياش على مائدة المنتظم .. مما أدى واقعها هذا إلى الارتداد حقدا متناميا أوقعها في فخ الالتحاق بحراك سياسي لم تنضج ظروفه ، لاغتصاب المنتظم.


- لكن هل النخبوية العربية : في تنامي محمولها الذهني من مدارس الغرب ، وما استتبع تجسيد هذا في طموحات حركية إنقلابية، لإحلاله في الساحة.. قدرت عبر ذلك أن تنقل أقلوية تواجدها السياسي.. إلى ثنايا الامتداد الشعبي ، وتبعا أن تجيز لذاتها التخادع عبر انتقائية للمفاهيم السلطوية- ومنها الطليعية- أنها البديل الواعي للكتل الجاهلة ..؟


- فإن كان الجواب سلبا..! إنما يعني هذا أن النخبوية عاشت انفصالا اجتماعيا حقيقيا، على غير ما كانت تأمله تصوراتها -في تفعّيل إحداث التحولات – ليعيش المجتمع أحلامها .. وأن نتائج أنشطتها واقعا، لم تكن في حساب المقدمات، وممارساتها كانت تخريبا وحشيا لبنى مجتمعاتها، إستولد رفضا لها من " المنتظم السياسي" المعني اتخذ طابعا إضطهاديا قهريا ..!!


* تسرّع النخبويون العرب في الاحتفاء بحرب .. أنهت حسب زعمهم الحروب،وأسقطت ظلم الحكام ، والعالم صار لهم أرحب بعد أن توحّد بالعدل والسلام.. ! الإدارة الأنكلو الأميركية لم تعد خارج الحدود ..! أصبحت تخاطبهم اليوم من منبر العالمية.. وتعنيهم رسائلها عن قيم الحرية والديمقراطية كما ألأنجلو أمريكيين ..لكن الحقيقة أن الإدارة. كانت تتوجه في خطابها ، إلى الإنسان من شعوبها ، فهو لم يزل يتعايش في رضى ،ضمن إطار علاقاتها، مع بقاء قدراتها فاعلة في تصدير أزمات نظامها الجديد ، إلى أرض الإحتلالات، وهذه بما تحمل في ذهنيتها من مخزون ثقافي إستعلائي.. لا يمكن أن تعنيها حقائق قاسية ، عن الجوع والقهر والإبادة ، في الدول المتخلفة ، أو من المسؤول عن حدوثها .. إنما تتطلع باهتمام ، إلى عظمة الإمتداد ، وحجم ثروة الإستثمار.


- إذن ليست العدالة ما تهدف إليه هذه الإدارة ، ولا طيب أخلاقها يدفعها إلى تصدير وترويج ثلاثية الإتهام- الدكتاتورية، والإرهاب ، وامتلاك أسلحة الدمار- بحق دول محور الشر المارقة ، ولا إلى إدانة سلطاتها رفقا بشعوبها وإنما لما تشكل تلك – المنتظمات السياسية- من حالة وطنية خطرة تعيق، وتهدد المصالح الإستراتيجية للنظام العالمي ومخططاته. .غير أن الإدارة الإحتلالية لم تزل ماضية بلعبة التعمية، وقذف كرات خبث الاهتداء الخلاصي.. بقدر ما تحقق هذه من إلهاء، وارهاق، للشعوب المعنية ، وإيقاع بشرك الإقتتال.. !


- وهكذا تتوجه الشعوب العربية في مقاومة العدوان، من موقف الدفاع عن الذات المتمثلة بالوطن، وهو منتظمها- الإقتصادي المجتمعي- كموروث متوازن يتجدد بجهدها بنائه،ويتقدم لتخلفه أجيالها القادمة، وفي مسار مضاد لم تعهده الأمم الحديثة، تبرز ظاهرة النخبوية العربية كجماعة – خارجة عن الوطن- في توجهها المؤيد للإحتلال.. في مفاضلة خاطئة بين ظلم يضطهدها، واحتلال يحررها من تخلف المنتظم.


- إذن في إستثناء لحال إرتباط بعض المثقفين العرب، بدوائر النظام العالمي - تورطا أو طوعا- لإيجاد خروقات في صفوف المنتظم العربي، يبقى التساؤل مشروعا عن الآسباب، خاصة وأن العمل في الشأن الوطني، كان زمنا حكرا على صفوفهم، وهوفي طبيعته يستشرف الأفضل لبناء وتجديد الأوطان. ورغم أن بعضها تعرض في أزمنة التحولات والإنتقال إلى إنعدام وزن وضياع.

-العثماني العربي، أو الأجنبي العربي- كانت تتصدر العمل السياسي من خلال قيادة حركة التحررالوطني والإجتماعي لتحقيق مشروعها النهضوي ، منذ كانت في رحم العثمانية في تعدد إتجاهاتها – القومية ، الليبرالية،الأصولية، ومن ثم الأممية.


- إلا أن خطواتها الحراكية التي قد تعثرت في محاولتها التوفيق في أطر مطامح نفعية بين الذاتي، والمحلي، والدولي، نقلتها إلى حالة فصام عن تقليدية مجتمعاتها، أنهت تجربتها الفجة، بعد أن تركت آثارها المأساوية في النظام العربي..غير أن تلمس النخبويات للخطأ ، والإهتداء للطريق القويم، والإعتراف بقصورها ، والجرأة على توصيفه.. قد يسمح بالعودة الى بداية تكوينها، وما رافقه من شوائب انبهار، فرّغ وجودها .. جعلها طيلة زمن في صراع أنهكها بين رغبة ملحّة في الإنسلاخ عن واقعها ، في صيغ إرادة التحول، وفشلها فيه، وبين هوس الإلتحاق، يستثيره حلم رغائبي يوحد ذاتها بمثالها الغربي.. ظهرت بعضا من نماذجه الساذجة، في تأييد الإحتلال.


- ومن خليط إنتقائي للمفاهيم السياسية ، وتحريض الإصرار النرجسي، صاغت النخبوية بدائلية.. تحل فيها ذاتها عوضا عن ارث السلطانية بقيمها الأبوية اتجاه الرعية، وانبساط سلطتها عليها ، تنمذجت معها ، وقد أوقعها هذا بالضرورة .. في صدامات مع شعوبها.. وصراعات أخرى مع النخب الموازية المشاركة بالساحة، وإلى انزلاق باتجاه آخر عبر محاولة قسر الواقع ليتطابق في قالب أفكارها.. استمدت أنماط تسويقه وممارساته من استعارات غربية، عمل عليها الغرب من موقع أفكار مدارسه النخبوية ، القومية العرقية ، والأممية، لفرضها.. اضطرت إليها النخبوية المحلية كحلول لأزماتها بعد إعراض شعوبها، تمثل هذا في مظهريات استعراضية ، لمليشيات ، وشعارات ، وأعلام.. منذ ما قبل الزمن الإستقلالي.. تورط فيها الشيوعيون العراقيون عام 58، ومن ثم حزب البعث مع بداياته السلطوية لتوطيد مشروع دولته القومية ..ليستخدمها عمليا بعد تعزيزها في ممارسة إقصائية قاسية للنخبويات ذات الثقافويات المغايرة.


- ثم من خلال المسار العملاني، ووقائع صدامية، تكشفت أمام النخبوية العراقية الحاكمة ، عقم أساليب التطويع..كما ساهم ظهور الأخطار الدولية والخوف من استغلال انقسام الداخل.. في اهتداء العودة إلى المجتمع ، والتدرج في استيعاب أعرافه وتقاليده ، التي تحكم توازن المنتظم وبقاؤه ، لإيجاد حلول وصيغ إندماجية ، تخلصت بموجبها عن طليعيتها القومية، وعلمانيتها التقدمية.

- قد يبدو ما تقدم مدخلا إلى تلمس الأسباب ، التي أعثرت خطواتها الراهنة ، ومن الأهمية هنا ملاحظة انحسار فاعلية النخبويات خارج الحاكمية ، فرغم تعثر سلطاتها وتجاوزاتها ، لم تتمكن من إنهاض حالة معارضة ، وإنما مثلّت رأيا مخالفا في أفضل الأحوال، دون عمق شعبي أو انتشار ، ولم يكن مرجع هذا إلى الدكتاتورية والخوف، وإنما لتمكن المنتظم السياسي من الإحتواء، بعد رجوع النخبوية الحاكمة إليه ، وحل ذاتها في نسيجه وواقع توازنه ، بما أهلته لها مصادفة مرجعية تكوينها الفكري القومي، وبساطة طروحاته عن العدالة والحرية ..؟


* بعيدا عن مرامي الإرهاب الإعلامي،ألأنجلو أميركي، المتمثل في إصراره الإستكباري.. على خلط المفاهيم ، وقلب الحقائق، لابعاد الأنظارعن أخطار ماثلة، بغية الخداع ،ودفع الشعوب للعمل ضد ذاتها من خلال إيقاع البلبلة بين صفوفها والتشكيك في مقاصدها.! وأيضا عن الخلل الطاريء في أسس قاعدية المنتظم السياسي الأبوي،بتحول الثروتية الوطنية فيه إلى القمة.. فإن زواجا غير متجانس قد حدث بين طبيعة الحكم في الدول المشرقية البطريركية وأنظمة الحكم الغربية المدينية ، لم يؤد في النهاية إلي تحدّيثها بل إلى فوضى ، تناولت المنتظم السياسي بأكمله، وساهمت في نكوصه.. إذ غابت المرجعيات السياسية المؤسسة على تقليدية الأحكام، المسندة في تكوينها على توارث أعراف ونصوص، تعهدت زمنا بقاء توازن المنتظم..أمام تقدم التكوينات المؤسساتية المحدثة بمفاهيمها الدولتية- نظرية الحكم، إيديولوجية الدولة، والأحزاب..القومانية ، والوطنية- التي تولت مهام النظام السياسي الجديد وقد أدى هذا إلى بروز مشكلات الدولة الحداثية وتعددية الانتماء.. وحقوق سيادية العقائد،والطوائف، والأقليات، وبالتالي الوقوع في فخ العصبيات..وأيضا إلى صعوبة الأداء المؤسساتي وتغريض سلطاتها..


- إذن كان لا بد أن تنشأ في هذه المرحلة خروقات حقوقية - ساعد عليها، انزياح المرجعية والتغير في تركيبية المجتمع - تمثلت في التحايل، وانتهاك النصوص، واضطراب أخلاقي ،عمم التراخي والفساد، واستولد قوى إجرامية أباحة المجتمع،والى تورط أفراد في نزعات ثأرية تسندها ظاهرة إستخدامية السلطة ضد بعضهم،في هذه الحالة قد ينشأ في المنتظم السياسي المشرقي- ظاهرة إرهاب المجتمع ضد ذاته- يفاقم من أمره..انشغالاته باستهدافات خارجية أو من جماعات الداخل المعادية. /ففي الحالة الطبيعية.شرط بقاء المنتظم الأبوي واستمراره - العدالة- / وهذه محققة في أصول النصوص وقواعد تنفيذها الضابطة لعلاقاته..وأيضا مشاركة المجتمع ذاته في إبقاء توازنه. كما أن مجتمعه محكوم تلقائيا عبرعلاقاته الطوعية المفوضة، في انتاج ذاته وشكل انتظامه السياسي وآلية تقدمه وفق شروطه .لذا تتضاءل فيه احتمالات انفصال الحاكمية وسلطتها عن الشعب ، وتتحول الجماعات الإعتبارية المؤلفة له عن عادة الحلول العقابية المنفردة – مع حقها في إعادتها - ضد أحوال الخروقات العدالوية ، إلى اجتهادات مؤسسات مفوضة داخل منتظمها المختار ، المرمز بالوطن..!؟ ويختلف هذا نوعا عن الغرب حيث يسود فيه انقسام وصراع طبقي سلطوي ،نتاج العلاقات الاقتصادية المدينية، يؤدي إلى الإرهاب، أو إلى نشوء حالات دكتاتورية يصحبها عادة تأييد عصبوي، لنصرة إيديولوجية، ضد أخرى، أو إلى إعادة القوى المتناحرة إلى قسرية انتظامها المؤسسي ..


- مما تقدم، يبدو أنه من الخطأ النظر إلى أداء المنتظمات السياسية في المنطقة..من مفاهيم الغرب، ونمطية أحكامه، والأقرب إلى الصواب رؤيتها من منظور أحكام الشرق العادلة، في إطارها الحكموي الذي اتسمت به ممالك الشرق، ومنها السلطانية،واعتماد معاييرها في الثواب والعقاب، وفي بيان أسباب الخلل، وسبل الاصلاح، لتحقيق العدالة، وتنهّيج مدارك حاضنة، لحقوق الانسان، وتفاعل الحريات: تحصّّن المجتمع العربي،من استبداد وارهاب الدمقراطيات الغازية.. وخلاف ذلك يمكن أن يوقع في مفاهيم ، يؤدي الأخذ بها إلى هدمه..


- يقتضي اكتمال توازن منتظم ما - اقتصاديا واجتماعيا- بدء المسار في الطريق القويم،وليست هذه طموحات مترفة ، تناط بقيادته ، إنما هي ضرورة، تتعلق بأمور ذات همّ وطني - رفع المستوى المعيشي ،التمكن من التنمية ، وإدارة الثروات، والقدرات الدفاعية - وإذا أضيف إلى هذا امتلاك المنتظم الثروات الإستراتيجية، وإشغاله وضعا مناطقيا مهما، فبذلك تكمن خطورته / أي في حال استحواذه لتلك الإمكانات/، وبقدرها تتشكل الضغوط عليه ، تحسّبا لما يمكن أن يوقعه في الجوار من استثارات تحريضية محررة .. وهذه الضغوط تتدرج من الحصار السياسي والاقتصادي، إلى التوريط في الحروب الإقليمية، والفتن الداخلية لاستنزافه.. ومن ثم احتلاله.. وأن انجرار شعب المنتظم إلى الدفاع عن ممتلكاته ووجوده ، وتوافقه في ذلك مع قيادته ، وما يتطلبه ذلك من متداخلات سياسية محلية ودولية مقلقة ، قد تكون خطرة ، مع قوى إغتصابية فائقة القدرة ، لا يمكن أن يحسب موقفا عبثيا ، بل واجبا وطنيا ، وحقا طبيعيا ، يؤكد تماسكه ، وصحة مساره، وأن أمانة تنفيذ القيادة لمهامها الوطنية ، انسجاما لمطالب شعبها ، يعزز مصداقيتها، ويجعلها مستهدفة أولا، لإنهاء وجود المنتظم، وإلغاء انتماء شعبه لهويته وحقوقه.. لذا فإن موقفا مخالفا ،إنما يضع أصحابه ، في /ظروف مصيرية مماثلة/ خارج انسجامية المنتظم ومصالحه.. ولا يمكن اعتباره سوى موقفا خيانيا ، مهما علت مراتب أصحابه.. وإن تبنيّ توصيفا مغلوطا مريبا ،لممارسات شعب داخل منتظمه، بل اتهام المنتظم بكامله بالإرهاب، أو من الدول المارقة ، وفق منظور القوى العدوانية ، يمنع عليه حق العون والدفاع عن ذاته في المواجهة، ويبرر لجيوش متقنيّة باغتصابه.. بعد إفصال متعمد لشعب المنتظم عن قيادته ،وإسقاطه بسقوط منتظمه بالاحتلال، ثم يتنطح بوقاحة إرهابية ليبارك له حقه بالمقاومة، ويسبغ عليه شرف الرسوخ الوطني لمحاربته العدوان ، إن هذا الموقف لا وصف له ولأصحابه.. غير التواطؤ المضلل، والانتماء اللا وطني، من ضمن أوصاف أخرى مدانة أقلها العمالة..!؟


- وكانت التجربة الناصرية قد تعرضت قبلا لمواقف مماثلة ،حين حاولت الإرتقاء بشعبها ، بالإلتقاء بالدوائر المتململة المحيطة، تمثلت بتحرك معادي من أحزاب الداخل الثقافوية- لا وطنية، لا عروبية- مما إضطرتها إلى حلّها ، وبإعلان الحروب عليها- الإقتصادية ، والميدانية - من قبل ذات الدول ، إلا أن الشارع العروبي في مصر وخارجها،كان مصطفا إلى جانب القيادة الناصرية ، لوقف العدوان .. وقد تحسبت الإدارة الأنجلو الأميركية ، في إعداد عدوانها الجديد على العراق ، إلى ضرورة إعلان حرب إعلامية موازية لإلغاء دور الشارع العروبي وقمعه.. ومن الملاحظ بأن غالبية وسائل الإعلام العربي الخاص.. تموّل وترتبط بالمؤسسات الإعلامية الكبرى المسوّقة للنظام العالمي الجديد.. ووجوه إعلامييها هي لثقافويين عرب، ولقوميين ، ويساريين ، وثوريين سابقين ، يبررون وينظرون للمواقف، المستهدفة شعوبهم، كما يتبادلون الخبرات حول تخريبها.. وأجرهم بالدولار ..!؟


- أيا كانت الأمور فإنه لا يمكن إدانة وضع مقاوم قبل الإحتلال ، ونصرته بعده.. إذ أنه الشعب في الحالتين،وهو المقصود والأساس، وهو من يمتلك مؤسسات منتظمه العسكرية ، والإجرائية ، والتنظيمية ، والسياسية الخ..ويقودها واقعا.. ربما هي رواسب ماضوية قهرية،أو انخداع في مكانة مستقبلية ، يجيد النخبويون التقاط فرصها للكسب وتصفية الحسابات، أما النتيجة فكانت اغتيال العراق..:!؟


* ومما سبق يتضح بأن الإحتلال ، في سعيه لتحقيق أغراضه المطمعية، هو في الحقيقة إلغاء وحشي للمنتظم السياسي المختار، ويشكل أعلى مراحل الظلم المجتمعي، وهو من ناحية أخرى يعطي مشروعية للعودة إلى مفهوم البدائية الثأرية ، لتحقيق العدالوية المفقودة.. وهو بقدر إلغائه ونفيه للآخر ، يعطي مشروعية النفي المضاد المعبّرعنه بالمواجهة، وهذه لا يمكن أن تقبل من يشرّع ألإحتلال.. أكان هيئات دولية، أو أحزاب مخترقة أو حكومات ، وكل ما يصدر عن الإحتلال - "من حكومة ، ودستور، وقوانين"- فهو حكما يعمل إلى إبقائه، ويمكن أن نرى ملامح هذه المواجهة بالإضافة إلى العنفية المسلحة، في هذا الكم الفوضوي من التجمعات التي بادرت للإعلان عن ذاتها ، تحت غطاء اللافتات السياسية ، وهي استحالات بدائية انبثقت من جديد للجماعات الإعتبارية ، التي كانت تتعايش داخل وحدة المنتظم العراقي ، انطلقت في ممارسات، ومفردات اجتماعية ما قبل دولتية ، وهي شكل من الرفض التائه.. لم يتبلور في صيغته النهائية ، ولم يزل يعيش تحت وطأة الكارثة، وواقعا فالإحتلال يشكل حالة تحريضية دائمة، لاستنهاض المقاومة في تعدد أشكالها الهادئة أو العنيفة ، كما في فلسطين للعودة إلى الحالة التجسّدية في المنتظم الملغى..


- وليس غريبا أن يزجّ الإحتلال عادة..جماعات يستفزّها الانتماء الوطني ، تلاعبت في تركيبية ذهنيتها منذ نشأتها .. مؤثرات ثقافوية خارجية ، وما اتبع من خطأ في معالجة أوجاعها.. و معظمها قد تكونت في أصولها من منشأ هامشي..لم يرتبط إعتياشها خلاله بعلاقات الأرض الزراعية، أو الحرفية المدينية في المجتمع التي حلّت فيه..لأسباب تعود إلى تاريخيتها المضطهدة ،او إلى قسرية التهجير والتوطين.. مما أوقعها هذا في مأزق الإنتماء الهش إلى الوطن ،وقيمه.. ودفعها داخل أرض سكناها.. إلى الإرتباط بمعتقدات، ترضي رغباتها، ولا تلزمها، وتتجاوز بعالميتها حدود الأوطان، تمثلت باللبرالية، والأصولية الدينية، والماركسية الأممية.


- وبما أن الموقف السياسي السليم، لا يمكن إخضاعه لأهواء الجماعات والأفراد، وإنما لنتائج التوصيف للأسباب ، والتحليل الموضوعي للوضع السياسي الدولي والمحلي ، والحسابات.. لانتاج مقولات متعقلنة صائبة الأحكام.. نلاحظ إنزلاق النخبوية العربية.. إلى مواقف إرتجالية متناقضة ، أساسها إطلاق لرغبات، تعكس خللا مزمنا في تركيبية بنيتها الذهنية ، ونوعية تراكماتها الفكرية، تظهر في سطحية التعامل مع القضايا المصيرية ، والأحكام المتعلقة بمصائر الأوطان.


- لا شك بأن حاجة المنتظمات العربية ، للإحتكاك مع التقدم الدولي،قد أنتج وعيا تغييريا فيها يقابل التخلف، اختزنته في صفوفها شرائح نخبوية نشطة.. ولا يمكن إغفال ما يستثيره هذا مع نسبية انتشاره، في الأوساط السكانية ،من مطالب في اتجاه تطوير التعاملات اليومية، وإعادة بحث في مجمل العلاقات المنتظمية ،لرفع كفاءة الأداء الدولتي،ولإيجاد صيغ لوضع متعادل بين مطالب الوعي،وجمود المحافظية ، التي لم تزل تعتمد هذه الكم قياسا، في مسارها الدولتي إرضاء للمطالبية السكانية، كمحصلة لضآلة الفعل النوعي النخبوي، وإبقاء لمكاسب نفعية وفرّها الإستمرار بما هو قائم، وإن هذا قد أوجد تململا،واحتجاجا كامنا..لم يرافقه لجوء الشرائح الناهضة إلى فعل التحرر.


- ورغم تنشيط بعض النخبويات سياسيا..لإلتقاط هذه الظروف الطارئة على المنتظمات العربية، فإن عدم قدرتها على تشخيص المآزق الدولتية ، يجعل من ممارساتها محاولات تتراوح متخبطة ، تناقض خطابها أحيانا، وتتصادم في أخرى مع توازن المنتظم، فهي تتواصل مع تواجد امتدادها واقعا في بنيوية المؤسسات، التي يتناسج أفرادها فيها، وبعضها لها أشكال إقتصادية تتوضع إلى جانبها، ويعيش هؤلاء من الناتج الإقتصادي العام، ويسهمون فيه..وتبعا لموقعها وصلاتها، فهي تمتلك مؤثرات يمكن توظيفها، نحو الأصلح، دون العودة إلى الحاكمية، إلا أنها في دعواها.. لم تزل تنزع إلى لعبتها،في تضخيم حجمها عبر مصادرة الإحتجاج الشعبي..ثمّ في تغافل عن مصاغها السلطوي السياسي، المبطن والمعلن، وتخالف معه.. تلجأ إلى مخاطبة تزلفية مراوغة لحاكمية المنتظم، دون المؤسسات المعنية فيه.. في ابتزازية مطلبية تعلم استحالة تنفيذها.


- وعلى هذا فهي تعمد إلى تصدير أزماتها البنيوية والرؤوية ، وإلى تحمّيل منتظماتها العربية ، مسؤؤلية فشل النهوض العربي، والتخلف ، والهزائم المتلاحقة وضياع البلدان، وهي في قصورفعلها السياسي ، تتناسى دور النظام العالمي - تناقض مصالحه مع المنطقة وجموح أطماعه - في إحباط طموحات الشعوب العربية ، بل إلى لجوء البعض منها، عبر مغادرة الوطنية، والالتصاق بالعالمية الاستثمارية.. إلى تبنّي وترويج رؤاها السياسية .. لكن هذا لا يعني براءة المنتظم العربي، في إطار إصرار فاعلياته على توازنه الدولي، والإقليمي ، والمحلي، للبقاء، من الانزلاق إلى إنتاج مضادات التحديث، وإبقاء العيوب البنيوية فيه.


- ربما كان للنخبويات إسهام في المواقف الحذرة ..إذ أن دعوات الإنقلاب التغييري السابقة، بغض النظرعن صدقها أو خبثها، وبسبب العماء الرؤوي ، حوّلت إلى عمليات تخريب عشوائي في تراكبية البنى الاجتماعية، والاقتصادية، لصالح التواؤمية الغربية.. وهي تنزع إلى تجديد ذاتها الان.. بمفردات أخرى - شيئية- تتحدث عن اهتراء المنتظم وتعذّر الإصلاح ، بما يعني هدمه كإنجاز لها..بالعودة إلى الإستقوائية بالطلائعية ، أو الإحتلال.. دون الإدراك بأن التعاملية تتناول بنى مجتمع حي.. وفي إعلان طاريء يناقض دعواها السابقة بالهدم.. ترجع إلى أولوية مقاومة الإحتلال .!فكيف يمكن أن يتحقق ذلك..؟بما يظهره السؤال من تناقض وعبثية المواقف، بين هدم المنتظم إلغائه، والإبقاء عليه -إصلاحه أو منع الاحتلال عنه- إذ أن هذه لا تؤدي في النهاية إلى الإصلاح، ولا إلى التحرير،وإنما إلى حالة عدمية سياسية، والموافقة الضمنية،على دعوات بقاء الاحتلال المشبوهة ، وشرعيته في فلسطين والعراق، وإسقاط مقولات المقاومة ، والأوطان.