.. سليم نقولا محسن ..

إلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم لنخوض مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، كفاحا لا يهدأ حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان

الخميس، تموز ٠٦، ٢٠٠٦

العراق المغيّب لم يصدر دستورا، والادارة الامريكية وحش غبي تطارده الشعوب

سليم نقولا محسن

ليست المواطنة رغبة إنسانية مجردة، يتولد عنها اندفاع عاطفي لفرد أو جماعة اتجاه الوطن للتشارك في شؤونه، أوهي إجراء سلطوي يدخل من باب العطايا، توقعه أو ترفعه على رعاياها الأجهزة الحاكمة ومؤسساتها متى شاء صاحب السلطان.

إنما هي

- الحراك السياسي الضروري لقوى منتجة حرّة تتواجد بالتوافق فيما بينها على أرض الوطن.

- وما يصدر عن فاعلية هذا الحراك من أحكام وقرارات إجرائية متوازنة سائدة حكما على كافة سلطات الدولة.

مما يقضي من القوى المشار إليها استجابة لمواطنيتها وترسيخا لمفهومها:
استعادة الوطن المفقود أولا ومؤسساته وسلطاته المغيبة بتحريره من حالة الاغتصاب والإمساك بوضعه من جديد، وبالتالي استعادة حضورها وممارسات وإجراءات مواطنيتها وتطويرها عبر الحفاظ على الوطن وفتح سبل تقدمه.

إن قطع صلة العقل العربي عن الثوابت المفترضة الحاضنة لنمو جذور التحولات (الوطن بما يحمل)، قد أوقع العديد، حتى ممن أمضوا حياتهم معنيين بالشأن العام، في مطبات سياسية عشوائية وأدخلهم في أنفاق الضياع، مما أدى هذا إلى استهلاك الجهد المبذول لنهضة الوطن.

لكن في معزل عن المواقف المتشنجة، للأحزاب والأنظمة ومتقولي السياسة، ونتائجها المخربة، التي أوصل إليها تراكمات جهدهم العبثي، صادقا من مواقع الخطأ أو كاذبا. يمكن أن يتفتح الذهن لقبول معرفي، تتوافق في شروطه المقدمات السياسية مع التوقعات، لتفادي الخسائر. وذلك باستخدام عمليات المقاربة العلمية في البحث والتحليل، تُخرج تداول الوضع المجتمعي العربي من خرافة الغيبية ومحدودية الرقم الحسابي وجموده، لتُدخل في الاعتبار حيوية العقل الانساني اللا محدود، والتعدد النوعي للعوامل المؤثرة واحتمالاتها في النشاط الاجتماعي.

حيث أن السياسة في تعريف لها مبدئي:

- هي الحراك الاقتصادي المجتمعي للأفراد والجماعات المنتجة في المنتظم الطبيعي المختار، الموصّـفة خصائص سكانه وأرضه وشكل حدوده.
- وما يصدر عن هذا الحراك من تداول للأفكار والطروحات، بغية إيجاد النواظم الأخلاقية والقانونية وفق الظروف الموضوعية التي تحكم المنتظم، لإقامة السلطات والمؤسسات وضوابط العلاقات فيما بينها وبين شعب المنتظم لتمكينها من تحقيق العدالة للمجتمع، وإتاحة فرص تقدمه.

ومن باب المقارنة، فعلى الرغم من المحاولات الجادة لقيادة بعض الحركات القومية التقدمية، التي تسلمت الحكم في بلدانها في معرض تجسيد مشروعها وتنفيذه، لإقامة قواعد للعمل الإنتاجي يضمن آلية الحراك السياسي المؤدي للفعل الديمقراطي، على أنقاض هلهلة الأوضاع الموروثة للطبقات الاجتماعية السياسية السابقة التي كانت استنزفت الشعب والدولة، مثال الثورة المصرية 52 وعراق ما بعد 58 . إلا أن هذه المحاولات لم تصمد أمام وحدة القوى الغاصبة العالمية لإنجاز مشروعها الديمقراطي، ومع ذلك فإنها خلقت مناخات للمشاركة الفعلية في امتلاك الوطن كقاعدة أساس للإنتاج وبناء الجمهورية.

ولقد كانت المحصلة المنطقية للخطة الخفية في فرض الهجرة المنظمة، من مجتمع الانتاج الى مجتمع البطالة، على أفراد الطبقات المنتجة، بفعل تواطؤ بعض سلطات الأنظمة العربية مع مصالح إدارات الدول الخارجية المهيمنة المستهدفة لشعوب المنطقة، بالإضافة إلى العديد من المؤثرات والعوامل الجانبية المقحمة، تحولُ الشعب إلى نمطية الاستهلاك ، وتلاشي تبعا لذلك الظروف المؤسسة لمؤسسات المجتمع المدني ولبقاء الأحزاب. ومنه نشأت حالة السلطة المفردة المدمجة بالدولة والقابضة على الثروة وتوزيعها والى تصرف أفرادها بكل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات التي أنيط بها الدفاع والحماية، مما حول مهامها من الحرص على سلامة وضع الشعب وأمنه إلى الحرص على سلامة دائرة السلطات.

وأدى هذا إلى تفشي وضع اغترابي لدى أفراد المجتمع المحدث من تلك الأنظمة. حيث لم يعد المواطن فيه صاحب حراك فاعل يساهم في الصنع السياسي. بعد أن تبدلت الحالة العقدية من عقد بين منتجين مستقلين، تصدرعن فاعليتهم سلطات الدولة، إلى أتباع لدى دولة الرعاية خاضعين لأنصبة هباتها. وبالتالي إلى انحلال القيم والعادات والتقاليد الحافظة لاستمرارية الإنتاج والعلاقات التبادلية، وما ينتج عنها أي وجود دولة الجمهورية الطبيعية.

وبالمقابل فإن ضآلة حصص توزيع الثروة، المترافقة أسبابها مع ضخامة إنفاق السلطات والهدر، أو الإجراءات الضاغطة المتحايلة المتبعة بهدف الإفقار، أدى إلى أن تتوجه الطبقة السلطوية وأتباعها، من المتعيشين من انتظام الدولة، إلى خرق وتكسير القوانين الناظمة والحافظة لدولة العدل السابقة، لصالح الطبقة الاستهلاكية التابعة لسلطة الحكم الناهضة. ومن ذلك إلى انتفاء أكيد لمفهوم المواطنة، والى نشوء علاقات تبعية بديلة تنحو نحو استرضائية السلطات والى ارتدادات لتكتلات والى انتمائية خارج مفهوم الوطن والمواطن. وبالتالي إلى تفشي علاقات تنافسية وتآمرية مركبة، بين أفراد الشعب المحكوم ودوائر السلطات، للاقتراب من مركزية السلطة والدولة والنفوذ إليه، حيث تكمن الثروة وسبل توزيعها، لتتعطل نهائيا أية محاولة لإحياء مؤسسات المجتمع المدني أو الأحزاب.

لكن هذا ليس مبررا لدعاة الانعزال والالتحاق، ومن نماذجهم مدعي المعارضة العراقية وبعض نباحي الغرب، إلى الأخذ بالظواهر دون الأسباب، والى إغفال العوامل السلبية التي رافقت تعثر عمليات النهوض، والارتكاز على حيثيات (الاقتتال والفوضى والتخلف) تبدو محلية بينما هي مصنعة وراء الحدود، لإلغاء معنى الوطن والانتماء، ومن ثم لاعتمادها في رفع وتيرة "النق الضفدعي" للتشكيك بقدرات الإنسان العربي، ومشروعه القومي ولإقامة الدليل على بواره.

فلم يكن من فراغ، تحرك السلف، وما بذل من جهد رواد النهضة والمفكرين العرب من دعاة بناء الوطن والدولة في اكتشاف ايجابيات روابط العروبة، ودور الوحدة في نهضة شعوب المنطقة وحمايتها ومنعتها. كما لم يكن هؤلاء برؤاهم المستقبلية، بغافلين عن ركود أوضاع العرب مقارنة مع الغرب آنذاك، وأيضا عن الأطماع والاستهدافات التي تضمرها الدول الكبرى للاستحواذ على شعوب الدولة العثمانية المتآكلة وأراضيها، ومحاولاتها المستمرة منذ ما قبل القرن 19 على إحكام اتفاقياتها ومعاهداتها فيما بينها على تقاسم المنطقة وغزوها، استنادا على حاجات رأسمالها الوطني وتراكمه، حيث لاحت بوادرها في احتلال مصر والشمال الإفريقي تباعا ومن ثم إلى تنفيذ اتفاقية سيكس بيكو عقب الحرب الأولى الذي أسفر عن احتلال المشرق العربي وتقسيمه، والى اغتصاب فلسطين واستيطانها وجعلها قاعدة دائمة جاهزة لتنفيذ كل المخططات المعادية للعرب وتقدمهم.

ولم تزل هذه الاطماع والاستهدافات مستمرة وذلك عبر إفشال مسار الدول والسلطات الحاملة لمشروع النهضة ومنها ما كان وراء استهداف خطوات ثورة مصر عام 52 في مسعاها لبناء دولة التحرير في حرب 56 والانفصال عام 61 وحرب 67، ومقاومة حركة التحرير في الجزائر والجنوب العربي، وضرب مفاعل تموز في العراق، وحصار الوطن العربي خلال كل تلك السنوات، إلى الاستهدافات المستمرة للشعب الفلسطيني وثورته ومن ثم إلى إشغال دولة العراق القومية وشعبها عن البناء بإسهاماتها في تغذية الأعمال المضادة لها والمشاركة بها فتنا كانت بين مكوناتها أو حروبا مفتعلة عليها والى الاستعداء الدولي لمحاربتها ومحاصرتها عام 91 تحت غطاء الشرعية الدولية المصادر قرارها إلى غزوها عام 2003.

ومن الغريب أن يذهب بعض متحدثي السياسة في أقوالهم الوقحة، عبر المنابر الإعلامية التابعة أو المرتزقة على غرار أفراد الطبقة السياسية الغربية المحترفة، رغم المشاهد المتلاحقة التي تؤكد الممارسات الاغتصابية والقهرية اللا أخلاقية واستمرارها اتجاه شعوب المنطقة والعالم إلى ما يخالف الوقائع، أن يذهبوا بالقول بأن لا صحة لما يتقول عن الغرب وإسرائيل، بأن هذه الدول عموما وما أنتجته من منظمات دولية أو محلية، على اختلاف أسمائها المزيفة، وقراراتها، كانت سابقا ولاحقا وراء الانقسامات المتقاتلة وحروب الابادة وبوار الأرض والتخلف الاقتصادي والمعاشي إلى الاستعمار المباشر وغير المباشر. وأيضا بقولهم بأن معارك التحرير من ثورة أرض مصر ضد الفرنسيين 1798 إلى ضد الإنكليز، ومن ثم إلى عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وعمر المختار إلى ثورات التحرير المشرقية من ثورة العشرين في العراق إلى سوريا وفلسطين والجنوب العربي ليست وطنية أو قومية، إنما كانت، حسب آرائهم، ارتدادات عشائرية وطائفية محدودة وخاطئة أعاقت التقدم، وأن أصحاب فكر النهضة والتحرير كانوا يؤدلجون للتخلف والاستبداد ومن منطلق فكر متحجر مغلق لمنع الغرب من نشر رسالته الحضارية المتسامحة. مع أن الواقع يفيض بالشواهد، ويشير بأن الحراك الشعبي كان تاريخيا في صف طليعة رجال المقاومة التحريرية، ووراء كل الحكومات والثورات الانقلابية المناوئة للغرب، وأن معيار الخطأ والصواب والخيانة والوطنية هو الموقف العملاني الملتزم بالشعوب والمعادي لتلك القوى الاغتصابية ومخططاتها.

وفي هذا السياق فان الوطن بما يحمل، والمقصود هنا العروبة كحصيلة للعلاقات التاريخية المجتمعية وتجاربها المرتبطة بالجهد المبذول في أرض الوطن ونتاجه، هو من الثوابت ولا يمكن لشعب أن يغادر الوطن. الفرد الإنساني بانتمائه هو حالة اختزال للوطن، وهو الوطن إن بقي فيه أو رُحّل عنه، انه هوية المكان والزمان والتاريخ التي لا يمكن نزعها.

لذا فان أية قوة غاشمة تتجرأ على اتهام شعب الوطن وعقائده، بانهما حاضنة شريرة لتفريخ التخلف والاستبداد، لتشرّع على أساس هذا الاتهام الأعمال العدوانية وتقوم بالغزو، إنما تعتدي على ما هو مقدس. لأن الإنسان ككائن في المطلق، وكل ما يتعلق به، مقدس.

ويستوجب على هذا الاعتداء القصاص وإيقاع العقاب. ويصبح صد هذه القوة الغاشمة واجب الفضيلة على كل فرد، والقيام بالأعمال اليومية لقتالها ودحرها ممارسة للحرية، وإرهابها كعدو شرير هو نشدان للسلام، وإنقاذ أبناء الوطن هو المواطنة الحقة.

وعلى هذا فانه ليس من الحرية أو الديمقراطية، أن يسمح للغازي الأعمى وأتباعه المس بالمقدس: دم شهداء التحرير، وبطولات المجاهدين التاريخيين، وأعمال المفكرين الصادقين ودعاة الإصلاح، والإرث التاريخي للوطن وعقائده الوطنية وثرواته، وأهل الوطن وقادة الكفاح فيه.

إن ما سبق يؤكد بأن كل الأحداث الكارثية التي عصفت بالمنطقة والأمراض والمعضلات المتراكمة المستعصية على الحلول، والتي حالت دوما دون نهوض مجتمعاتها، كانت تكمن أسبابها في تصرفات الدول الغنية الكبرى وهواجسها الضاغطة، لتنفيذ مخططاتها الاغتصابية وحاجاتها، وبهدف تراكم ثرواتها البعيدة عن الضوابط الإنسانية حيال شعوب العالم.

لذا يبدو من الأفضل لمدعي الفكر الصائب نيابة عن مجتمعاتهم، اليقين بوجود سياسات مصلحية ذات خطط مرحلية متتابعة لهذه الدول الغنية الكبرى، لا تأخذ بالاعتبار المعيار الأخلاقي لما سيحل بهذه الشعوب من أوضاع مأساوية في ما تسعى إليه من ربط هذه المجتمعات الفقيرة وحراكها، بغض النظر عن مصالح هذه الشعوب، بعجلة أوضاع دولها الغاصبة. ذلك عوضا عن تجاهل أفعال هذه السياسات المصلحية السيئة، وإيجاد المبررات لهذه الدول بفعل الاستحواذ الاستشراقي أو الاستغرابي بصيغه التطبيعية التي تروجها وتعممها وسائل الإعلام والنشر، وان عدم الانتباه لهذا السلوك السلبي إنما يهيء الظروف لإعادة إنتاج مصائب جديدة كما يجري اليوم على الساحة العراقية.

فبعد تدمير دولة الجمهورية والمجتمع العراقي، وإلغاء حالة المواطنية أساس أي دستور، يدفعون إلى وضع ورقة دستور دائم لدولة ومجتمع في حالة التناثر، في محاولة للاستعاضة بهذه الورقة عن مواطنية المجتمع العراقي، وجعلها بديلا للدولة الجمهورية. وعوضا عن صدور الدستور عن فاعلية المواطنية للمنتظم المجتمعي الاقتصادي كمرجعية ناظمة تحدد مصالح مواطنيه، تصدر هذه الورقة الدستورية بوجود عصابات الغزو العالمية ومرتزقتها المحليين، المحاصِرين والمصادِرين للشعب ورأيه وقراره، وبالتالي لتحدد هذه الورقة مصالح هؤلاء دون غيرهم. مما يعني هذا إنتاج دستور لا علاقة له بالشعب العراقي وحاجاته وخياراته، ولا يوصل إلى الحرية والديمقراطية ومجتمع الرفاه، وإنما إلى التبعية والاستبداد والى طريق دائم التفجر بالفوضى والاقتتال والديكتاتورية والاستبداد.

وهذه المرحلة الانعطافية في السياسة الدولية التي أدت إلى غزو العراق، لم تنحو إلى اتجاه مخالف لما سبق كما يزعم الملتحقون غباء أو ارتزاقا وان تباينت الأسباب. فان تغير المعطيات الدولية تبعا للوضع الجديد لتطور الرأسمال العالمي وتقنياته وتوظيفاته الاستثمارية، وطبيعة اتجاهاته المتباينة مع إدارات دوله وتحركات هروبه من دوله الوطنية، كان لا بد أن ينعكس ذلك على الساحة الدولية بظهور تبدلات نوعية في الأوضاع العالمية والممارسات السياسية للدول، لها علاقة بما ستخلفه التقلبات المركبة لهذا الرأسمال من سلبيات أكانت لاختيار مواطن أخرى لأنشطته لا تطالها رقابة الطبقة السياسية المتمثلة بإدارات الدول الأوروأمريكية أو في بروز مراكز قوى جديدة أو في نمو وعي متزايد لدى الشعوب.

وهذه السياسات ترتسم بين الأطراف بما تعلق بالتوافق والتحالف أو الاختلاف مثلا: حول موضوع إبقاء استخدام الرأسمال لهذه الإدارات وامكانات دولها الحربية لتنفيذ بعض مخططات مشاريعها أو إلغائه، أو في تباين مصالح إدارات هذه الدول فيما بينها خلافها أو تقاربها، أو لجهة توافقها حول مشاريع عالمية لطموحات مشتركة للسيطرة تضمن بقاءها، مما سيقود هذا لاحقا إلى سقوط تلك الإدارات وطبقتها السياسية مع انتهاء دورها ووظيفتها في إنماء الرأسمال وحرية حركته لصالح قوى أخرى يفرزها الرأسمال الصاعد وبالتالي إلى ظهور معالم جديدة تغير وجه العالم السياسي.

لذا فان الإدارة الأمريكية بما تمثله حاليا من تكثيف لمسار السياسة الأوروبية الكولونيالية في حقبتها الماضية، إنما تحاول في مسعى انتقالها من وظيفة وطن الرأسمال، إلى مشروع الهيمنة العالمية لمصادرة هذا الرأسمال وإبقائه تحت سيطرتها بنهج متخلف، يتبع طبيعة نشوئها الأوروبي، مما أدى هذا إلى أن تتصادم مع آلية العمل الحر لتكون هذا الرأسمال ومتطلبات تطوره ومفهومه الاستثماري التراكمي ومحاولات هروبه من محاصرتها له ( كجسم اعتباري جديد للرأسمال). جعل من هذه الإدارة في تخبط عالمي، أضحت فيه وحشا غبيا يترنح، بات وضعه يستدعي من شعوب العالم واجب الخلاص منه.

اسـتدراك:

يلحظ في الآونة الأخيرة ومع تعثر وضع الإدارة الأمريكية وحلفائها، ارتفاع صوت الصراخ القادم من وراء البحار، وكثرة الايعازات المتنوعة للأجراء المحليين المحصنين بقوى الغرب الخفية والمعلنة لتهديد ووعيد الشعوب العربية وقادتها وأحزابها وأنظمتها الوطنية بسوء العقاب بما تدعيه بعظائم الأعمال المقترفة بحقها أي بأعداء العروبة في كل الوطن العربي، وإنذارها بوجوب التخلي عن نهجها العروبي، وتبنّي النموذج المصدّر من الغرب للديمقراطية والحرية والإرهاب تحت طائلة اعتبار تلكؤها عن تنفيذ هذه المطالب والاملاءات أو رفضها لها بمثابة جرائم حرب تقتضي إجراءات عقابية.

وان الحرص على أن تصدر هذه المزاعم في صيغ مراوغة تتشفع تحايلا بغطاء الإنصاف والحق لطرف محايد عادل مقبول من الأطراف، يفترض بأن بتمثل بالمنظمات الدولية وما يتفرع عنها وبما تراعيه من حرص على سلامة الإجراءات وما تصدره من أحكام في القضايا المعروضة أمامها، إنما يهدف إلى توريط دول العالم الفقيرة الضعيفة وشعوبها ضد بعضها عبر مكيدة نقل محدودية النزاع إلى شموليته العالمية والى إقناعها لقبول ما يصدر عنها والى فرضه كأمر شرعي رغم تناقضه لكل ما هو شرعي مدرج في لوائح حقوق الإنسان الطبيعية المقرة من حرية شخصية وحرية الاعتقاد إلى حرية الأوطان والانتماء وحق تقرير المصبر.

وهذه الإدارة وتوابعها إذ تواجه مصائب التعثر وبداية الهزيمة من الرفض العالمي لها ومن الثورات المتفجرة ضدها في أفغانستان وفلسطين والعراق تحاول إغلاق الثغرات المفتوحة في جبهاتها المتعددة وميادين حروبها عبر محاصرة الشعوب المحيطة بالمناطق الأكثر حساسية وهنا العراق، وذلك بتقويض الكيانين السياسيين لسوريا ولبنان وتصفية الثورة الفلسطينية ومحاصرة حركات التحرر القومي، وذلك باستجرار قواعدها- شعوبها- إلى الانقسامات الداخلية القابلة لأن تتطور إلى حروب مستديمة بدأت فعل ضغوطها منذ ما قبل لغز اغتيال الحريري ولغم القرار 1559 وهي مفتوحة إلى ما بعد التقارير المعدة حول هذا الاغتيال والى جعل هذه الإجراءات حاضنة لكل الاحتمالات يدخل فيها اتهام أنظمة ورجالات ومنظمات، تسير هذه بخطى متلاحقة ومتلاقية مع الأهداف المرسومة لها لتغطية من هم حقيقة وراء الاغتيال وتقويض المنطقة.

ومن موقف يتقاطع مع هذه المخططات يلجأ الحلفاء المحليين ومن سلطات دول الجوار المتاخمة لدولة العراق الطامعة في أدوار تطيل من بقائها إلى تفريغ معاني العروبة والانتماء والمواطنة وصيغ الجمهورية المتفق عليها من قبل الشعب لنزع تواجده الشرعي عبر التخلص من رموزه الوطنية المجسّدة لوجوده الحقيقي بالعمل على إدانتهم من موقع مغاير ومن قيم مختلفة يفرضها الوضع القاهر المدعم بقوى قمعية لا مثيل لها في تواريخ الغزو، تظهر فصولها عبر تتبع هزليات الاحتكام إلى القانون الخبيثة بإحالة موضوعها إلى التقنيات القانونية باستقدام مأجورين( بلبوس قضاة العدل) يحترفون مكائد العلم بحرف النص القانوني بما يخدم أغراض عصابات الغزو وعملائها وذلك ما يظهر في مشاهد الافتتاحيات المروجة- لهزلية الحكم والمحاكمة- عبر تقطيع مشهد الحدث وتركيبه، ونقل الوقائع من مجرياتها في عملية تلفيق وخلط يسود فيها المنظور المضاد المفترض بأن يكون مدانا لا قاضيا، ليصبح التوصيف والحكم في أمر الدفاع عن الوطن: تفريطا بحدوده وهدرا لثرواته واعتداءا عليه، وإنجازات بنائه: تخريبا، والإجراءات القانونية المتبعة للاقتصاص من المدانين بجرائم الخيانة والتعرض للسلام الأهلي: مجازرا، أي أن الأحكام قد صدرت منذ ما قبل الغزو: بقتل العراق، قتل شعوب المنطقة، قتل حركات التحرير.

وعلى ما يخالف المنطق في هزلية عرض المأساة، يتم تصنيع المناخات المضللة المعادية، هذه التي يجري الترويج لها عبر الشاشات الإعلامية المسوقة للكذب ومن قبل عواهر المواخير نطّاقها، للإيحاء إلى الجماهير بسلامة الصيغ القانونية المتبعة - رغم تناقضها مع أسس الجمهورية- لإجراءات الإدانة للممارسات الشرعية والصحيحة لقيادة دولة العراق قبل الغزو ومقاومتها الحالية دفاعا عن شعبها، وإبرازها كوقائع جرمية مسلم بها تدخل في باب الديكتاتورية والاستبداد والإرهاب، وذلك للوصول عبرها إلى إدانة التوجه القومي العروبي لشعب العراق والمقومات الموضوعية لمشروعية الأعمال المسلحة، والاحاطة الشعبية العربية المتنامية الداعمة لها من أجل التحرير واستعادة دولة العراق. إن هذه الإجراءات إنما تشكل سابقة خطرة مستهترة تسمح بإجراءات مماثلة من قبل قوى التحرير العالمية ومن مواقع العدل لقوى ورموز الاغتصاب والمتعاونين معهم على امتداد العالم.

وفي هذا السياق نستطيع أن نستوعب- في استعادة للذاكرة- بأن ما كان يظهر من أشكال الإدانة في الخمسينات والستينات لعبد الناصر من قبل إسرائيل والدول الاستعمارية والرجعية العربية إنما كان يستهدف حقيقة ثورة مصر، وأن ما كان يظهر من تباكي على ديمقراطية شعب العراق المفقودة وإدانة لصدام حسين قبل الغزو، إنما كان يستهدف القوى الحية لشعب العراق وإنجازاتها في جمهورية العراق ليصل الحال إلى ما هو عليه.

سليم نقولا محسن
كاتب قومي عربي