وهم الشرخ الحضاري، وجذور الصراع
بقلم سليم نقولا محسن
18 كانون الثاني – يناير 2004
في الزمن المغيب تصمت الحكمة، فلا يسمع أحد، يدخل اللصوص والزناة المدن، ويغادرها الأتقياء. أخفوا سيف الامام.. أنكروا البيعة .. والوديعة ..، ألبسوا شيطان العتمة نورا.. صعّدوا عطر المباخر.. أدخلوه الكوفة.. وطوفوه كربلاء..؟
المأساة ترتحل شعرا، تجوب العراق ، تقرأ في سفرها عن وجع النخيل.. عذارى عشتار، عن احتراق الأرض، وموت شهرزاد، عن خوف الجوع ، والعار. كيف يغشّ الخبث، ويقلب الحقيقة ..؟ كيف ينبح الجهل، ويتسلط الحمقى ؟ عن الخراب وقتلى المدائن، عن اختفاء شهريار. كيف قتل الحسين مرتين، وصمت الصهيل..؟ عن بكاء دجلة، عن موت الحلم في العيون، عن التحدي ، وقسوة الرفض ، وولادة الطفل الشهيد . نساء يندبن على الضفاف، ينظرن الى غرق العربي في المياه، وانهيار الوطن..؟
وجهة نظر معاصرة: يمكن من خلالها رؤية الخلافة العباسية في عام 1257 م كاحتلال داخلي فاجر، تسلّط على رقاب أبناء العرب، والخليفة الهاشمي ..طاغية بغداد ؟ أما هولاكو، فكان محررا ؟ لذا احتفل ورقص... اللاتين ناهبي كنوز بيزنطة، والفرنجة الغزاة في اماراتهم على سواحل بلاد الشام، والفرس في بلادهم، وأتباع العلقمي الخائن، والجنود المغول.. في الطرقات المشتعلة .. المباحة : بمقتل الطاغية، وخراب بغداد ؟ وبكى العرب؟ من وجهة النظر هذه : فان العرب يدينون بالشكر والامتنان.. الى الادارة أنكلو- أميركية ،لاحتلالها التحريري..؟ والى اسرائيل كبديل عن الفرنجة ؟
كانت اوروبا قد ابتدأت صعودها بعد تاريخ اجتياح هولاكو المنطقة ، وتدمير بغداد.. بما يحسب ردا على استعادة الملك نجم الدين أيوب القدس ايلول 1244 م وابادة سكانها الفرنجة، الى أن هزم المماليك (سبايا المغول) بقيادة قطز، بيبرس جيشَه عام 1260 م في عين جالوت شمالي فلسطين. وكان هؤلاء عماد الجيش الأيوبي، وذلك في زمن يتقارب مع استعادة البيزنطيين القسطنطينية المحتلة منذ عام 1203م من قبل اللاتين الغزاة وطردهم.
- وكانت انقسامات عربية، وفتن دينية ، قد أشغلت دولة الخلافة. كما عمدت الصراعات مع بيزنطة، والحروب مع الفرنجة الى انهاكها، وكان هؤلاء "الصليبييون" قد دخلوا القدس عام 1099م وأبادوا سكانها العرب من المسلمين واليهود، توطئة لاحتلال أرض أحلامهم "بابل- العراق" بما أعقب ذلك من انتشار لاماراتهم في سواحل الشام.
- وكان ظهور قوة جنكيز خان في الشرق، عاملا في ايقاظ رغبة القوى المعادية المحيطة: "الفرس، والفرنجة: اتفاقيات الملك لويس القديس"، والداخلية: "العلقمي"، للخلاص من الخلافة العباسية، فتآمرت هذه لتوجيه جيوش المغول صوب بغداد.
- منذ ذلك التاريخ.. عانت المنطقة من بدائية العقل الأوروبي الغابي، ومنهجه المتواصل في عدائية الشرق.. ويبدو بأنه كان يستقي خطه الهمجي..من وعاء عقل بدائي، محفوظ في ذاكرته البعيدة.. لم تستطع أن تخرقه الارتقاءات الانسانية لتجارب الشعوب القاطنة وراء الضفاف المتوسطية المقابلة .. كما أن هذا العقل قد قصّر – ربما بسبب البدايات البيئية الصعبة- عن تلمس معاناته اليومية ، ورفع التقاء تقاطعاتها ..الى رموز يمكن أن تحتويها ميثولوجيا متأنسنة كما الشرق؟
- فهو بعد عشرة قرون، عمد الى التخلص من قيود مفاهيم الشرق الرسالي، ومنذ عام 1054م ،انفصال روما عن القسطنطينية، شرع في اعادة تركيب مضمونها المسيحي الشرقي، وتأويل النص الديني في حرفية تتلاقى مع التحميلات العنيفة لزمنية التكوين التوراتي، كان قد أبطلها انجيل العهد الجديد وذلك لاعادة مواءمتها مع بدائية الطروحات المؤسسة للقبائل الهندو-أوربية الجرمانية. كما لم يثمر تقدم الغرب التقني، في انتاج علاقات مؤنسنة، وانما لتطوير تنظيم اجتماعي لاستثمار أقصى لقوة العمل، تتفارق بناه الفوقية مع نتائج التقدم في اتجاه تخديمي لسلوكه البدائي الاغتصابي..؟
- وقد أنيط بالثقافة الأوروبية تداول مهام أدلجة البربرية، واكسابها مظهرا حريريا، يناقض الباطن، لم تنطل خدعة تمريرها على العقل الشرقي ، المشبع برموزه الميثولوجية، وفي تلقائية طبيعته البحثية عن ما وراء الظاهر، تدفع تجاربه المختزنة .. الى اعلان الحقائق عارية.
في حرب العراق دأب الغرب في اعلامه السائد على اظهار ارتقائه الحضاري من خلال التقنيات التدميرية لديه، بما يتجاوز المعقول البشري – انسيابية التصميم الهندسي لصواريخه، دقة المسار، تحليق الطائرات وهبوطها ، المعجزين، اختراق الفضاء ودقة التصويب، جيش مؤلل، وصور لامعة لمدمراته في البحر - شكل دعائي مفضوح يحرّض على استسلامية لموت فاخر. وهو اذ يخفي حقيقة الهدف الهمجي من عرضه للقدرات، بدمجه بالافناء النظيف، واعتام النتائج المصائبية من خراب وألم، كان يحاول...بالمقابل أن يظهر همجية الآخر، ربطا ببدائية تطوره ، ومحدودية قدراته - عبر عرض آلية خربة، وحديد ممزق، والدماء، والأشلاء، كمخلفات لعقل مأزوم، يندفع في انجاز فعله استشهاديين متخلفين. ومع ذلك، كان يظهر الغرب في انفلات ردود فعله العصبية، امكانية قدرات الانسان المقهور الفقيرة، على ابتكار الفعل المجابه، ورفض الاستسلام المجاني " ثقافة الموت الحريري "، وبالتالي محدودية ادراك الغرب لمعنى الأضحية الاستشهادية كخلاص وحياة أفضل للجماعة.
وتجنبا للبس والتلفيق الانتقائي، فان المعنى الحضاري لشعوب منطقة ما، لا يندرج توصيفه بتعاظم كيانات الدول وتماسك سلطانها، أو في امتلاكها لقدرات التطور التقني، ان هي خرجت عن مفهوم الأنسنة – الالتقاء بالآخر- واعتباره تلاقح معرفي واستمرار تعايش وجود، وتبادل خبرات. بل أن هذا المعنى ، يمكن أن يتفاعل في تحاور والتقاء بين جماعات أوجدت انتظاما قادرا على التقاط الفكر المغاير ضمن جدلية الارتقاء، وهذه تمتد جذورها الى شروط الظروف وملاءمة المكان، في بدايات التكوين المجتمعي. نرى ذلك في التكوينات الاجتماعية التي التقت على أحواض المناهل الكبرى مثال : النيل - الفراعنة ، ودجلة والفرات - سومر ، وبابل. وتفاعل شعوب الحدود ما بينهما في سورية من دمشق الى القدس ، ومكة . بما يتجاوز ذاتها في رسالة ارتقاء انساني الى الشعوب تضمنت حكمتها من ما قبل الابراهيمية الى المسيحية ، والاسلام.
- ونظرا لتأسس عقل النخبويين العرب، على سطح مساحات العقل الغربي، وطروحاته القيمية، عجزوا عن اختراق واقع شعوبهم وتلمس معاناتهم، وعوضا من أن تكون مهامهم، استنباط سبل لخدمتها وفضح المرامي الغربية، تماهوا مع تلك، وغدوا مروجين لها، كأحصنة طروادية تنتظر لحظة الاجهاز. وفي الحقيقة كان من نتائج صلتهم العضوية مع المنشأ، أن تحولوا في مختبرات الغرب الاجتماعية الى كائنات مدمرة عمياء لا ملامح لها، تعيش على نسغ شعوبها، لأداء وظيفة تخريبية لمجتمعاتها، والاجهاز على عروبتها. شاهد الماضي في المنطقة نماذجا منها، منذ تفكك الدولة العثمانية - عبد الاله، نوري السعيد ، الحاشية الحاكمة في العراق، وفي فلسطين، وبعض المجاميع في سورية عقب انفصال ايلول 1961، ولم تزل تفاجيء الشعوب بظهور سلالاتها كداعية ممهدة ومرافقة للاحتلالات..بما يلزم المراجعة والتدقيق في كل نتاجها الثقافي والمؤسسي.
- فالعروبة في وعي انسان المنطقة، وعاء لقيم متدفقة. صاغها عبر الزمن، علاقة جهد العمل في انبات الأرض، كجنة مؤملة حاضنة للعدالة، ومفاهيم حقوق الانسان، وتفاعل الحريات. وكحالة فيضية لثنائية الأرض والانسان، كان الارتباط بها والدفاع عنها شاغله الأبدي.
- وتجدر الملاحظة بأنه، منذ بداية النضال أوائل القرن 20 ضد الأجنبي من أجل تكوين الوطن السيادي المعاصر، كان هنالك انفصال بين تيارين:
1- تيار عروبي يعمل من أجل كيان سياسي مستقل مرحلي، ومجتمع متماسك متطور، مقدمة لكيان عروبي مستقبلي موحد.
18 كانون الثاني – يناير 2004
في الزمن المغيب تصمت الحكمة، فلا يسمع أحد، يدخل اللصوص والزناة المدن، ويغادرها الأتقياء. أخفوا سيف الامام.. أنكروا البيعة .. والوديعة ..، ألبسوا شيطان العتمة نورا.. صعّدوا عطر المباخر.. أدخلوه الكوفة.. وطوفوه كربلاء..؟
المأساة ترتحل شعرا، تجوب العراق ، تقرأ في سفرها عن وجع النخيل.. عذارى عشتار، عن احتراق الأرض، وموت شهرزاد، عن خوف الجوع ، والعار. كيف يغشّ الخبث، ويقلب الحقيقة ..؟ كيف ينبح الجهل، ويتسلط الحمقى ؟ عن الخراب وقتلى المدائن، عن اختفاء شهريار. كيف قتل الحسين مرتين، وصمت الصهيل..؟ عن بكاء دجلة، عن موت الحلم في العيون، عن التحدي ، وقسوة الرفض ، وولادة الطفل الشهيد . نساء يندبن على الضفاف، ينظرن الى غرق العربي في المياه، وانهيار الوطن..؟
وجهة نظر معاصرة: يمكن من خلالها رؤية الخلافة العباسية في عام 1257 م كاحتلال داخلي فاجر، تسلّط على رقاب أبناء العرب، والخليفة الهاشمي ..طاغية بغداد ؟ أما هولاكو، فكان محررا ؟ لذا احتفل ورقص... اللاتين ناهبي كنوز بيزنطة، والفرنجة الغزاة في اماراتهم على سواحل بلاد الشام، والفرس في بلادهم، وأتباع العلقمي الخائن، والجنود المغول.. في الطرقات المشتعلة .. المباحة : بمقتل الطاغية، وخراب بغداد ؟ وبكى العرب؟ من وجهة النظر هذه : فان العرب يدينون بالشكر والامتنان.. الى الادارة أنكلو- أميركية ،لاحتلالها التحريري..؟ والى اسرائيل كبديل عن الفرنجة ؟
كانت اوروبا قد ابتدأت صعودها بعد تاريخ اجتياح هولاكو المنطقة ، وتدمير بغداد.. بما يحسب ردا على استعادة الملك نجم الدين أيوب القدس ايلول 1244 م وابادة سكانها الفرنجة، الى أن هزم المماليك (سبايا المغول) بقيادة قطز، بيبرس جيشَه عام 1260 م في عين جالوت شمالي فلسطين. وكان هؤلاء عماد الجيش الأيوبي، وذلك في زمن يتقارب مع استعادة البيزنطيين القسطنطينية المحتلة منذ عام 1203م من قبل اللاتين الغزاة وطردهم.
- وكانت انقسامات عربية، وفتن دينية ، قد أشغلت دولة الخلافة. كما عمدت الصراعات مع بيزنطة، والحروب مع الفرنجة الى انهاكها، وكان هؤلاء "الصليبييون" قد دخلوا القدس عام 1099م وأبادوا سكانها العرب من المسلمين واليهود، توطئة لاحتلال أرض أحلامهم "بابل- العراق" بما أعقب ذلك من انتشار لاماراتهم في سواحل الشام.
- وكان ظهور قوة جنكيز خان في الشرق، عاملا في ايقاظ رغبة القوى المعادية المحيطة: "الفرس، والفرنجة: اتفاقيات الملك لويس القديس"، والداخلية: "العلقمي"، للخلاص من الخلافة العباسية، فتآمرت هذه لتوجيه جيوش المغول صوب بغداد.
- منذ ذلك التاريخ.. عانت المنطقة من بدائية العقل الأوروبي الغابي، ومنهجه المتواصل في عدائية الشرق.. ويبدو بأنه كان يستقي خطه الهمجي..من وعاء عقل بدائي، محفوظ في ذاكرته البعيدة.. لم تستطع أن تخرقه الارتقاءات الانسانية لتجارب الشعوب القاطنة وراء الضفاف المتوسطية المقابلة .. كما أن هذا العقل قد قصّر – ربما بسبب البدايات البيئية الصعبة- عن تلمس معاناته اليومية ، ورفع التقاء تقاطعاتها ..الى رموز يمكن أن تحتويها ميثولوجيا متأنسنة كما الشرق؟
- فهو بعد عشرة قرون، عمد الى التخلص من قيود مفاهيم الشرق الرسالي، ومنذ عام 1054م ،انفصال روما عن القسطنطينية، شرع في اعادة تركيب مضمونها المسيحي الشرقي، وتأويل النص الديني في حرفية تتلاقى مع التحميلات العنيفة لزمنية التكوين التوراتي، كان قد أبطلها انجيل العهد الجديد وذلك لاعادة مواءمتها مع بدائية الطروحات المؤسسة للقبائل الهندو-أوربية الجرمانية. كما لم يثمر تقدم الغرب التقني، في انتاج علاقات مؤنسنة، وانما لتطوير تنظيم اجتماعي لاستثمار أقصى لقوة العمل، تتفارق بناه الفوقية مع نتائج التقدم في اتجاه تخديمي لسلوكه البدائي الاغتصابي..؟
- وقد أنيط بالثقافة الأوروبية تداول مهام أدلجة البربرية، واكسابها مظهرا حريريا، يناقض الباطن، لم تنطل خدعة تمريرها على العقل الشرقي ، المشبع برموزه الميثولوجية، وفي تلقائية طبيعته البحثية عن ما وراء الظاهر، تدفع تجاربه المختزنة .. الى اعلان الحقائق عارية.
في حرب العراق دأب الغرب في اعلامه السائد على اظهار ارتقائه الحضاري من خلال التقنيات التدميرية لديه، بما يتجاوز المعقول البشري – انسيابية التصميم الهندسي لصواريخه، دقة المسار، تحليق الطائرات وهبوطها ، المعجزين، اختراق الفضاء ودقة التصويب، جيش مؤلل، وصور لامعة لمدمراته في البحر - شكل دعائي مفضوح يحرّض على استسلامية لموت فاخر. وهو اذ يخفي حقيقة الهدف الهمجي من عرضه للقدرات، بدمجه بالافناء النظيف، واعتام النتائج المصائبية من خراب وألم، كان يحاول...بالمقابل أن يظهر همجية الآخر، ربطا ببدائية تطوره ، ومحدودية قدراته - عبر عرض آلية خربة، وحديد ممزق، والدماء، والأشلاء، كمخلفات لعقل مأزوم، يندفع في انجاز فعله استشهاديين متخلفين. ومع ذلك، كان يظهر الغرب في انفلات ردود فعله العصبية، امكانية قدرات الانسان المقهور الفقيرة، على ابتكار الفعل المجابه، ورفض الاستسلام المجاني " ثقافة الموت الحريري "، وبالتالي محدودية ادراك الغرب لمعنى الأضحية الاستشهادية كخلاص وحياة أفضل للجماعة.
وتجنبا للبس والتلفيق الانتقائي، فان المعنى الحضاري لشعوب منطقة ما، لا يندرج توصيفه بتعاظم كيانات الدول وتماسك سلطانها، أو في امتلاكها لقدرات التطور التقني، ان هي خرجت عن مفهوم الأنسنة – الالتقاء بالآخر- واعتباره تلاقح معرفي واستمرار تعايش وجود، وتبادل خبرات. بل أن هذا المعنى ، يمكن أن يتفاعل في تحاور والتقاء بين جماعات أوجدت انتظاما قادرا على التقاط الفكر المغاير ضمن جدلية الارتقاء، وهذه تمتد جذورها الى شروط الظروف وملاءمة المكان، في بدايات التكوين المجتمعي. نرى ذلك في التكوينات الاجتماعية التي التقت على أحواض المناهل الكبرى مثال : النيل - الفراعنة ، ودجلة والفرات - سومر ، وبابل. وتفاعل شعوب الحدود ما بينهما في سورية من دمشق الى القدس ، ومكة . بما يتجاوز ذاتها في رسالة ارتقاء انساني الى الشعوب تضمنت حكمتها من ما قبل الابراهيمية الى المسيحية ، والاسلام.
- ونظرا لتأسس عقل النخبويين العرب، على سطح مساحات العقل الغربي، وطروحاته القيمية، عجزوا عن اختراق واقع شعوبهم وتلمس معاناتهم، وعوضا من أن تكون مهامهم، استنباط سبل لخدمتها وفضح المرامي الغربية، تماهوا مع تلك، وغدوا مروجين لها، كأحصنة طروادية تنتظر لحظة الاجهاز. وفي الحقيقة كان من نتائج صلتهم العضوية مع المنشأ، أن تحولوا في مختبرات الغرب الاجتماعية الى كائنات مدمرة عمياء لا ملامح لها، تعيش على نسغ شعوبها، لأداء وظيفة تخريبية لمجتمعاتها، والاجهاز على عروبتها. شاهد الماضي في المنطقة نماذجا منها، منذ تفكك الدولة العثمانية - عبد الاله، نوري السعيد ، الحاشية الحاكمة في العراق، وفي فلسطين، وبعض المجاميع في سورية عقب انفصال ايلول 1961، ولم تزل تفاجيء الشعوب بظهور سلالاتها كداعية ممهدة ومرافقة للاحتلالات..بما يلزم المراجعة والتدقيق في كل نتاجها الثقافي والمؤسسي.
- فالعروبة في وعي انسان المنطقة، وعاء لقيم متدفقة. صاغها عبر الزمن، علاقة جهد العمل في انبات الأرض، كجنة مؤملة حاضنة للعدالة، ومفاهيم حقوق الانسان، وتفاعل الحريات. وكحالة فيضية لثنائية الأرض والانسان، كان الارتباط بها والدفاع عنها شاغله الأبدي.
- وتجدر الملاحظة بأنه، منذ بداية النضال أوائل القرن 20 ضد الأجنبي من أجل تكوين الوطن السيادي المعاصر، كان هنالك انفصال بين تيارين:
1- تيار عروبي يعمل من أجل كيان سياسي مستقل مرحلي، ومجتمع متماسك متطور، مقدمة لكيان عروبي مستقبلي موحد.
2- تيار آخر متغربن واسع الطيف يعمل دون اعلان ظاهر، من أجل انهاء الوطن.
وكانت التباينات، بين القوى المعارضة والسلطات السياسية الحاكمة، تتجه الى استقراء المطالب الضرورية للنهوض والتقدم تحت مظلة الوطن.
وبينما كانت تنظر القوى العروبية الى الخلاف مع السلطات، كتناقض ثانوي يتناول تخطيء استغراب المفاهيم الدولتية والقومية، والى ضرورة اصلاح أخطاء الممارسات السلطوية والكشف عنها كمهام وطنية، لاستكمال تكوين الوطن والانتقال منه الى الموحد، كانت القوى الموصوفة بالمتغربة على تناقض مع سيرورة المنتظم السياسي ووجوده، وتجعل من الأخطاء ذاتها، تناقضات رئيسية وذريعة لاشغالات اجتماعية سياسية، تهدف في النهاية الى هدم الوطن. ولا ينكر بأن عددا من العروبيين قد انقاد، من منطلق استفحال الخلافات مع السلطات، الى التباس في مفهوم المعارضة، والى الانزلاق في تحالفات مع القوى المتغربة التي سعت الى استغلال مقاصدها الوطنية، وتشويهها. وهكذا نلاحظ بأن طروحات النخبوية المتأمركة، انما هي استمرار لدعواتها السابقة في الاستقواء بالأجنبي، لانهاء الأوطان.
- كما لا يمكن صياغة رؤية مستقبلية، ذات صفة يقينية بالتأسيس على رمال الحاضر، كما يلحّ عليها البعض بباطنية متخابثة أو بجهالة، دون قراءة الواقع بما فيه من عثرات. فالشعوب غدت على قناعة بضرورة الكف عن ممارسة عقلية النقل المغامر للتجارب، بما فيها عروض التنمذج الأمريكي الجديد فأن أعواما طويلة من سفح الجهد الفكري المستقى خطوطه من الغرب، والتبديد الثروتي، لم يساهم في التقدم، بل أدى الى تحرك يتضاد مع سيرورة المجتمع.
كما هو بين فان النموذج العقلي للادارة الأنكلو-أميركية الحالية، هو مولود غربي في خصائصه العنصرية، انتقل بداية الى الولايات المتحدة مع تصدير أوروبا في القرن 15 لنفاياتها البشرية، وعمل على تطبيقه مباشرة بابادة الهنود سكانها الأصليين. وقد تلاقى هذا النموذج، الذي تأصل وتمركز قادة فكره في الولايات المتحدة أواخر القرن العشرين، مع تنامي التوجه الكوني للمؤسسات الاقتصادية الاستثمارية، يؤدلج طموحاته ويبررها منهج فكري حديث يسقط من حسابه الحقوق الاجتماعية الانسانية، لأصحاب قوة العمل، وصغار المنتجين ، والضعفاء في الأرض، لخفض قيمة المنتج، ومراكمة الربح.
- وقد أدى تنامي الرأسمال الاستثماري بأبعاده العمودية والأفقية، الى انقسام عالمي بين الشعوب والادارات السياسية الحاكمة، والى جعل ادارات الدول كسلطات تابعة. وبالتالي فصل المجتمع الغربي عن اداراته كممثلة له مفترضة، ومن ثم الى مركزية سلطوية، لضرورة تلبية المتطلبات الملحة لادارات اقتصادية مهيمنة، وبالتالي الى انتفاء مفهوم الدولة الليبرالية التقليدي المؤسس على المبادرة الفردية، والتحول الى الديكتاتورية، مع شكلية ديمقراطية، ومصادرة عملية لحقوق الانسان، وحرياته. بما يستدعي هذا أشكالا من النضالات، لتحقيق العدالة ، واعادة هذه الحقوق.
- وان هذا بما يعنيه محاكاة للحركة الاقتصادية التي سادت أوائل القرن السابع عشر حيث أخضعت الدولة لمصالح الشركات العابرة، ( 1600) شركة الهند الشرقية الهولندية، (1664) شركة الهند الشرقية الفرنسية، لتأمين جيوش الحماية لأساطيلها، وممتلكاتها ومستعمراتها الجديدة وراء البحار. وكان نشاط هذه الشركات، هو الأساس الذي مهد لنشوء الدول القومية الأوربية وتطور قوة أوربا الحديثة، والى استئناف توجهها الاحتلالي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع وهن الحاجز العثماني، الى الشرق المتوسطي والى وجنوبه.
- وتبدو العقلية المدمرة الحالية ظاهرة: من خلال حربين عالميتين ساخنتين 1914 و1939 انشغلت فيها أوروبا بالاقتتال الداخلي، وتدمير الذات، حصدت جراءه الملايين من أبنائها بتواطؤ أنجلو- أميركي، أعقبها حرب باردة طويلة، أسقطت خلالها النفوذ الأوربي الدولي، وختمتها بانهاء أمبراطورية سوفيتية عظمى. ومع التشكيل الجديد لانتظام الدول، بما يتوافق مع مصالح الاستثمار العالمي، تكون البداية قد نضجت لانطلاق عالم بعد أوروبي –أميركي، على حساب قهر كافة شعوب الأرض.
- وهذا لا يمكن له أن يتحقق، دون العودة لتقفيز نوعي لمنهج التفكير العنصري السابق اتجاه الآخر، يؤكده ما اتبع من سياسات لا أخلاقية، استعدى تطبيقها الشعوب المتضررة، ومنها من تمتلك حضارات تتفعل جدلية واقعها، لاستيعاب عنف المتغير الطاريء والرد عليه. ولا بد أن تستنهض هذه الممارسات العدوانية - كيف بدا تعاظم طغيانها- مواجهة ومقاومة، تتصاعد بمستوى الفعل، ومن ثم الى اعتياد الشعوب بعد الصدمة، على مواجهة هيجان الخنزير البري وقتله.
على أن النوايا ومآلها واضحة، في اتجاه منطقة حيوية واستراتيجية، تمتلك عصب التقنية الحديثة " النفط"، التي ظهرت بوادرها منذ شرعت الدول المؤتمرة قضم العالم، اقتصاديا وسياسيا – كمناطق استثمار للرأسمال الكوني: أوروبا الشرقية، وروسيا، والبلقان، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرقي آسيا، ووسط آسيا - واخضاع عديد من الدول العربية، وذلك بتنفيذ تجربتها العالمية الجديدة باحتلالات مباشرة أهلّتها لعراق بعد الحصار.
- وكانت الادارة الأنكلو – اميركية قد مهّدت الى هذا التحرك بسلسلة توصيفات، مهينة وشائنة، أشاعتها عن شعوب الشرق العربية الاسلامية وامتدادها، وعقائدها ونظم حكمها، لم تكن سوى ترداد لمقولات حكمائها من العصور الوسطى، الى النهضة والأنوار والحديث: من البابا أورباس الثاني، وخطبته الشهيرة في كليرمون 1095م، وتوما الاكويني، الى دانتي ولوثر، الى مونتسكيو وفولتير وروسو ورينان، ومن تبعهم من مستشرقي القرن 19و 20 في اعلانهم عن ضرورة استئصال الاسلام. وهذه مشبعة بكراهية توراتية لشعوب بابل أرض العراق. انه استقدام لمفهوم غيبي لنفي الآخر "العراق أرض مباحة وشعبها محكوم بالفناء". استخدام حرفي للنص الديني الملغى لاكساب الغرب ذاته بتبنيه، الحقوق الالهية المتفوقة، ومشروعية الابادة، واستمرار للهمجية. عقيدة الالغاء هذه ، تتضمن كرها للحضارة المنتجة المتفوقة بالأنسنة: كره الراعي (الأعراب)، لأهل الحضر (الفلاح). ان استقدام النص المعتقدي، هو قلب متقصد للمفهوم الحضاري، هنا تدمّج المصالح النفعية بالرؤى.
- العراق فلسطين الثانية، الأرض الموعودة – تفيض لبنا وعسلا- الجنة الموصوفة، ينجّسها عبيد سارة، أبناء هاجر جارية ابراهيم. فشل الفرنجة في الوصول اليها منذ عشرة قرون، دمروها بوحشية المغول، يعودون اليها اليوم بالحقد ذاته، يحملهم اليها تراكم نوعي تقني لا سابق له. مرة أخرى تتناقض المفاهيم بين رؤيا الثقافة الهمجية والرؤية الحضارية. العقل الحضاري ينتج الغلال، " الآخر" ضرورة: لتبليغ الفكرة الرسالية. والاستمرار الهمجي: ينتظر الفريسة، "الآخر": مشروع طريدة. البطل هوالصياد القاتل.
هكذا أيضا يستبدل مفهوم البطل. ليلة القبض على الرئيس صدام حسين، السبت 13\12\2003، ووسط ضبابية المشهد، والشك في الرواية المرفقة نشأت الأسطورة. فلقد تم اختيار الصور الاعلامية المعروضة بدراية من قبل اختصاصيين. وكانت النتائج غير التوقعات. كان القصد اذلال الشعوب العربية (الوثنية)، التي تنجب عقائدها حكاما -أمثال صدام-، لكن كان الغاء الفكرة، الكلمة بما يتضمن اعادة لشرعيته كقائد وزعيم. لم تكن الاهانة عرض صورة الرئيس، وانما لأن (الشيطان) الأمريكي، كان يلامس وجه القدّيس. ارادت الدعاية الامريكية الضخمة أن تصوره جبارا، ديكتاتورا منسوجا من مخزون تراثهم النازي ، وذلك لايقاع الصدمة برؤية الهوة بين ارتفاع البطل الاسطوري والحضيض، الصورة الحالية البائسة من موقع المنظور الامريكي ومفهومه لسقوط البطل. لكن الرئيس بدا على خلاف ما صورته آلة الدعاية الأمريكية تلك، بدا الرئيس مؤنسنا بالهمّ الرسالي الى حدّ مذهل، ملتصقا بلباسه وشقائه بشعبه، فظهر لحظتها شهيدا، جسّد أبطال ميثولوجيا العراق، ديموزي وجلجامش، التي تختطفهم قوى الظلام لعودة حياة الى الشعب جديدة، وتعالى الى مشهد الحسين الضحية، وتعانق مع الحلاج. في المقابل، فان ظهور رئيس الادارة الأمريكية في ذات المناسبة باطارها المستبرق الفخم، لم يعط انطباعا مقبولا، ولم تر الشعوب العربية والمستضعفة فيه غير حالة جرذية متأسدة، كما لم تحفل أبدا بما كان ينطق من كلمات.
لقد دخلت قوات الاحتلال -الأنكلو اميركية- بغداد في نيسان 2003، في تجاوز فجّ للشرعية الدولية ومعاييرها، مقدمة لاعادة ترتيب المنطقة بما يتوافق والخطط الاستثمارية للشركات، بما يعني هدم مؤسسات المنتظم العراقي الاجتماعية والاقتصادية، والسيطرة على النفط تمهيدا للعبة الاستثمار العالمية الجديدة.
على وضوح أهداف الاحتلال الأنكلو- أميركي في هذه المنطقة، كترجمة لطموحاته النفعية التاريخية كما تفضحها الممارسات المشاهدة، الدافعة باتجاه تفكيك الكيانات السياسية عبر فتنة الاقتتال الداخلي بين الاثنيات والمذاهب، باحتمالات تدحرج مفاعيل أحداثها الى كامل المنطقة، وما تفضي اليه من المآسي والتخريب، فان العقل النخبوي المتأمرك لم يزل يعمل في صيغ عدمية متناقضة، مأخوذا بنشوة نصره العبثي، ولم يفطن حتى الى الخلط المفضوح بين انفلات المكبوت من رغباته ودوره المأجور المرسوم المكلف به لأداء مهام الاخلاص الوطني.
- ولم يزل العقل النخبوي المتأمرك يردد مقولات جاهزة، عانى المجتمع الغربي ذاته في أزمنة مختلفة من نتائج منهج تطبيقها، يسحب حيثياتها، النازية والفاشية والستالينية، ليلبسها لواقع متخيل لا وجود له يفترضه في المنطقة. وهذه تعاد في صيغ لغوية مركبة، التقط بعض مفرداتها من المتداول المحلي، للترويج بحَرْفية عقل مسطح، لا يخترق الرمز الى ما وراء الظاهر، لطروحات لاصلة لها بالواقع المعني مثل "الدمقراطية" مقابل الديكتاتورية والاحتلال الداخلي والمقابر الجماعية، بما يظهر بأن هذا العقل النخبوي الممسوخ قد تقمص الثقافة الهمجية، متباهيا باتقانه فلهوة الرياء المتعالي والتحايل، استعدادا للانقضاض الافتراسي.
- وحيث أن جذور النخبة المتأمركة قد ائتلفت مع نتائج تراكيب سلوكية خارجة في موضوعها عن شروط استقرارية توازن المنتظم السياسي، أي رفض الانتماء له، للوطن، وعدم فهم خصوصية علاقة العمل بالأرض ودورها في انتظام المجتمع، ظلّ هؤلاء خارج المواطنة كقوى عدمية منبوذة، على هامش فاعلياته، يعانون فيه اضطهادا مجتمعيا مزمنا، كعناصر طفيلية لا فائدة منها، تنتمي رغم مظهرها االمخملي الى طوائف اللصوص والقوادين، تستلهم من ثقافات الغرب ايديولوجية وجودها، وهذه تتوزع في ثنايا الجسم الدولتي، كقوى تدميرية كامنة، تظهر بفاعلية انتقامية زمن الكوارث المخلخلة للمنتظم المجتمعي الاقتصادي، كحالة العراق.
اذن ليس لهؤلاء النخبويون المتأمركون، كقوى حرمت من التمتع بخصائصها التكوينية، واستقلالية وجودها الارتزاقي، وقُمعت حريتها في التخريب والنهب، غير الارتباط بالغازي المدمّر – اسرائيل، والاحتلال الأنكلو- الأمريكي. ومن الطبيعي أن تنظر هذه الى الغازي كقوة محررة، والى أن تبرر الاحتلال بوجود عدوها الوطن ذاته، بما يعنيه من شعب وصيغ تعايش وأخلاق وقوانين، وأن تصف المجاهدين للحق مخربين وارهابيين.


0 Comments:
إرسال تعليق
<< تعليقات