.. سليم نقولا محسن ..

إلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم لنخوض مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، كفاحا لا يهدأ حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان

الجمعة، تموز ٠٧، ٢٠٠٦

ثورة 23 تموز يوليو، في مواجهة أحداث المهانة والفكر المستعار

سليم نقولا محسن

ربما أتاح حدث احتلال العراق للشعوب العربية مقترب أفضل، لرؤية تسلسل وقائع نضالها وأضحياتها، منذ بدء تكوينها الحديث برعاية الدول الكبرى؛ ولاكتشاف وهم كياناتها السياسية، وأمراضها الذهنية، وبؤس منظومة أفكارها. وربما كان للتفاعل التراكمي السلبي لما مضى، وللصدمة الكارثية أثرٌٌ على ما أصاب العقل العربي؛ لكن اصراره المرَضي على الافتراق عن المنطق ومجانبة الجهاد المعرفي واعتناق عقيدة التخلف، وكسله عن اللحاق، الأثرُُ الأبعد على ما هو فيه من شيوع مواسم الضياع، وعلى اجتراء البعض على اختراق ثوابت مجتمعه، وعلى امتهان آخرون بدعَ الالتصاق بالمتقدم الغربي وتقمصه، واستسهال اقتراف جرم الادعاء.

عندما يختلط الجهد الفكري مع صراخ الشوارع، يزول الفارق بين السياسة كعلم يعتمد المنطق الحكيم لبناء الجماعة والدولة، وبين انتهاز فرد يتكسب أو قارئ كف يتسول. وعندما يسود الكم الأمّي ومنطق القوادة، كمرجعية في لعبة الفوضى المفروضة، عندئذ يسهل على ادارة دولة، ترتزق كأداة تنفيذ عالمية مثل الولايات المتحدة، أن تسرب ماتشاء من مقولات مخرّبة توجه بها سلوك الجماعة (أو الأفراد) ضد ذاتها (ذات الجماعة) لتفعل في مجتمعها ما تفعله الكوارث، ومن ثم أن يحمل جهلة مدعون وآخرون مغرضون هذه المقولات ضد العروبة والقومية، كمادة ثمينة، صادرة عن نزق طائفي: سني أو شيعي أو مسيحي أوغيره بحسب الأقطار، يرددون أنغامها، ويروجون مضامينها بكثير من الانفعال والحماس والانتشاء حسب الحال، تنقلهم شطحاتهم الغيبية الى قبول التكاذب في أحداث مصيرية، او إلى العودة لأزمنة الافتراء على ثورة 23 تموز/يوليو المصرية، وتكرار مفردات الاتهام الأمريكية عن ديكتاتورية الزعيم عبد الناصر والرئيس الأسير صدام حسين في العراق.

لا يمكن أن تقبل الشعوب مشهدا يعيد أحداث المهانة، وراية الفكر المستعار، فللشعوب مسارها الحر، وفعلها أكبر من صدمة الاندحار.

ان تطور الغرب الاستثماري، أوجد حاجة شرهة لديه الى الأسواق، لم تزل تنتج تطلعا ملتهبا الى منطقتنا، تبدو واضحة، من أحداث فلسطين الدامية الى الغزو الاجرامي للعراق.

من المسلمات أن ما يسود بين الشعوب في أزمنة الخطر والحصار، هو شعور الترابط والوحدة، والحاجة الى العودة للبحث عن أسباب القوة، ويصبح واجب خوض معارك الدفاع عن الوطن من المقدسات، فلا حرية مع الاحتلال، ولا تحرر مع الشرذمة والانحلال، ولا تقدم مع الاذلال والتخلف، ولا ديمقراطية مع الجوع والعوز والاضطهاد.

ربما كانت الديمقراطية في مصر والدول المتخلفة، المسألة الملحة التي تصدت لها ثورة تموز/يوليو 1952 كطريق وحيد لتحقيق الحرية والتقدم، فالأحزاب قبل الثورة كانت تخدع الشعب من خلال تسويق ديمقراطية زائفة في صندوق الاقتراع ، اذ كان تحالفها مع قوى الاقطاع والرأسمال المستغل ينتج، بالاضافة الى قوى القصر، طبقة حاكمة مستغلة، ونظاما مستبدا يرتبط بالضرورة، في ظل هيمنة الرأسمال العالمي وتطوره، بالقوى الاستعمارية، مما كان يجعل من الدولة الوطنية تابعا، تحجب عنها امكانات التقدم، ومن طبقتها السياسية ونظامها أداة منفذة موضوعة في خدمة المصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية للدوائر الاستعمارية، لذا كان لا بد للثورة من أن تضع الديمقراطية في اطارها الصحيح، وأن ترفض مفاهيم الديمقراطية الغربية وأنظمتها بما فيها الأمريكية، وترفض أيضا فلسفة أنظمة دولة الحزب الواحد( النازية)، او ديموقراطية الطبقة في الأنظمة الاشتراكية آنذاك، وأن تخط طريقا متميزا للديموقراطية يتلاءم مع طبيعة شعبها ُيبنى على تحالف ديموقراطي لقوى الشعب العامل؛ إذ ارتأت بأنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية السياسية في غياب الديموقرطية الاجتماعية، وهدفت الى زيادة الانتاج للوصول الى مجتمع الكفاية والعدل تحت رقابة تنظيم شعبي منتخب.

بين ظلام الوهن العثماني، وشراسة الطمع الغربي، كان يحضر المشهد المأساوي. وبينما كانت الفجيعة تتراكض في القرن التاسع عشر في أنحاء الأرض العربية، منذ صدمة حملة نابليون الفرنسية على مصر عام 1798 وسقوط حلمها في الامتداد لامتلاك كنوز الشرق؛ كانت الشعوب العربية تعمل في صمت، تراكم تجاربها وتتهيأ لفجر جديد.

ان ثورة 23 تموز/يوليو 1952 في مصر، كانت تحقيقا للأمل الذى راود العرب وشعب مصر، منذ بدأ العرب في العصر الحديث يفكرون في أن يكون حكمهم بأيدي أبنائهم. كانت جذور الثورة تمتد الى أبعد من أحداث ضياع فلسطين عام 1948 الى الأسباب الحقيقية للنكبة، فالأمل لم يتحقق لشعب مصر يوم تزعم عمر مكرم حركة تنصيب محمد علي واليا عليها عام 1804، كما لم يتحقق الأمل يوم حاول عرابي أن يطالب بالدستور، فكان احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، ثم كانت نكسة ثورة سعد زغلول عام 1919. في هذه المرحلة انكفأت مصر الى الداخل، وغاب عن نخبها، في احتجاب مصر، قوةََ فعل الامتداد العربي، والخطر الكامن في وعد بلفور عام 1917 ، وفي اجتياح بريطانيا العراق عام 1918.

ورغم أنه قد مضى ما يزيد عن نصف قرن على الثورة، فان طلائع الشعوب العربية وقياداتها الشعبية، هي أحوج ما تكون الآن الى اعادة اكتشاف منظومة أفكارها ومبادئها التي صاغتها قياداتها، بكثير من الدراية وعمق التحليل لماضي الأمة العربية وحاضرها ومستقبلها، وضمنتها في كتابي \"فلسفة الثورة\" و\"الميثاق\"، لتتمكن هذه الشعوب من أن تتلمس أزمة حاضرها، والانطلاق الى آفاق مستقبلها.

لقد عمدت الدول الكبرى، ومنها بريطانيا وفرنسا، عقب الحرب الأولى عام 1919، الى اقتسام البلاد العربية، وتثبيت حدود المناطق والدول، وفق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية آنذاك، في معاهدات دولية تهدف الى مصادرة أبدية لامكانات تقدم هذه الشعوب. وكانت مصر والمنطقة العربية أرضا مفتوحة لدوائر الغرب الاستعمارية، يحل لها فيها ممارسة كل أنواع النهب والعبث والافقار.

كانت ثورة 23 تموز/يوليو تهدف الى تقدم وتحرير شعب مصر والأمة العربية، من سيطرة القوى الخارجية والقوى الداخلية المتحالفة معها؛ وقد خلصت الى أن الحرية السياسية لشعب مقهورلا وجود لها دون تحقيق الحرية الاقتصادية، وامتلاك الشعب لمقدراته. وهذه لا يمكن لها أن تتحقق دون القضاء على التخلف بوصفه أشد أنواع الاستبداد، عبر التقدم الفكري والتحصيل العلمي والتحديث وزيادة الانتاج، ودون مشاركة المرأة بعد تحريرها وامتلاكها حقوقها، ودون وعي الشعب لتاريخه، ودون القضاء على التجزئة.

كانت الأحزاب السّياسية، في مصر قبل الثورة، اعتادت خداع الجماهير بوهم ممارسة \"الديمقراطية\"، واخضاع الشعب، ليتمكن من حكمه جلادوه عملاء سفارات الدول العظمى المتحكمة بمقدرات أرض مصر، إذ أن تحقيق الديمقراطية السياسية يشترط تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، لتحرير المواطن من العوز بزيادة الانتاج، كما يشترط تمكين الشعب من امتلاك مقدرات الدولة، لتجديد بنائها، من خلال تحويل أداة الدّولة، بما فيها قواتها المسلحة ومنظومة آليتها في العمل، لوضعها في خدمة التقدم وضد أعداء الأمة.

لقد عمد الاستعمار والنخب الملتصقة به، إلى إحباط طموحات الأمة في سعيها إلى الانعتاق، عبر التشكيك في هويتها وانتمائها العربي وتاريخها وحضارتها الإنسانية وأعرافها الاجتماعية وقدراتها الابداعية، ومن ثم الى وصمها بالتقليد والاستعراض النرجسي والاستبداد والالتحاق. إن التحرر من دوائر الغرب الرأسمالية والاستعمار هو في بناء الدولة والمجتمع، وعودة الشعوب الى ممارسة دورها، لتحقيق التقدم عبر الديمقراطية السياسية والاجتماعية القائمتان على التحرر الاقتصادي الدولتي من الغرب، ورفع المقدرة الانتاجية، والوصول الى مجتمع الكفاية والعدل.

إن أعداء التقدم هم أعداء الأمة، وإن الصراع الوحيد هو مع قوى الرأسمال العالمى، والنخب المستوطنة المجندة، والنظم السّياسية والرجعية المتحالفة معه. إن شعوبا صديقة تشارك العرب تاريخ الألم والمعاناة، وعاشت سني الاضطهاد والعبودية، تسعى الى التقدم، وتمتلك القوة الثورية المشاركة. إن تحرر هذه الشعوب، شعوب العالم المستعبدة، نصر للثورة وتحصين لها من أعدائها، لذا كان من الطبيعي أن تلتقي الثورة معها في دوائر تحركها الثلاث العربية والأِفريقية والاسلامية.

تقدمت ثورة 23 تموز/يوليو عبر تجربة مسيرتها بمشروع نهضوي إلى شعب مصر والأمة العربية، درس اسباب التخلف وسبل التحرر، لتوطيد مجتمع عربي ديموقراطي متقدم؛ لذا كان لا بد أن تتحرك الدوائر الاستعمارية للتصدي له واسقاطه، فكان الحصار الاقتصادي، والعدوان الثلاثي عام 56 عقب تأميم مصر قناة السويس العالمية، وكانت مؤامرة فصل الوحدة ايلول عام 61، وبعدها انتكاسة ثورة الجزائر بإسقاط بن بللا، ومن ثم هزم الجيوش العربية عام 67 ردا على اقتراب القوى التحريرية من تخوم النفط في اليمن، ومحاولة القضاء على الثورة الفلسطينية في ايلول عام 1970. لقد كانت أهداف الثورة في الاشتراكية والحرية والوحدة كما أوردها \"الميثاق\" تحمل مفاهيما سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، وصيغا عملية لتنظيم المجتمع في منظومة فكرية متماسكة، تهدف الى تحرير الإنسان العربي، وامتلاكه حريته في مجتمع ديموقراطي متقدم.

تعود ذكرى 23 تموز/يوليو اليوم لتطل على مشهد مأساوي، ساهمت في صنعه بعض النخب الثقافية والسياسية التي حذرت منها الثورة، بعد أن حرّفت تعاليم الثورة وأفرغت مبادئها من مضامينها، وأعادت تحويل نظام الدولة وأداتها لأمرة الرأسمال العالمي، في سعيه الدائب للاستغلال وتنحية الجماهير.

فالمثقف عندما يفقد لسبب ما صلته بالأرض والمجتمع (التكسّب مثلا)، يفقد وعي ذاته -انتماءه-، ويغادر هويته العربية، للعمل ضد ذاته. هنا لا يصبح غير منتمي، أو محايدا، إنما يتحول إلى آخر، الى خصم شرير مستتر، متغرب أو متشرق وفق المنابع الايديولوجية والمصلحية التي استجرته الى انتمائه الجديد، حيث يجهد في تسويق حجج من اتبع، لاسترضائهم، دون النظرالى ما تقتضيه الحقائق العادلة؛ فيصبح في هذه الحالة خائنا وشاهد زور تستوجب ادانته ، إن لم ُيفضح انتماؤه الجديد كمناهض لحرية شعبه وأمانيه وتقدمه.

في هذا المشهد الحاضر، يقف شعب فلسطين وحيدا في معارك الابادة، وشعب العراق تتخاطفه ذئاب في لبوس الحرية والديمقراطية والرفاه، على مرأى أمة عربية مهلهلة الرأي متخالفة يسودها رسالة التشتت والضياع، تستقي -في غياب الوعي- \"مسلماتها اليقينية وآراءها\" من ضجيج آلة الكذب الدعائية الطاحنة، أما قيم الأمة ورسالاتها تسقط مع المهملات. إن لعبة قلب الحقائق والمفاهيم لن تدوم طويلا، اذ علّمت التجربة بأن للشعوب منطقها الحكيم، تميز به أنصارها من أعدائها، وتعرف أسباب التخلف وعوامل التقدم، ومن هو شرعي ومن هو المدعي، وتعرف أبطالها ورموزها فهم حاضرون في المقدمة وان غابوا عن الساحات.

إن الإفقار والقهر أثقال صنعها النهب العالمي، لن تحملها الشعوب في صعودها الى نور الحرية. فمنذ الوهن العثماني بدأت الأمة تعاني من عوامل التجزئة ومن عمليات الإنهاك المنظم التي مارسها الاستعمار المباشر، الذي فرض سياسات التبعية والأحلاف والقواعد العسكرية والمعاهدات المذلة، ثم أحدث الفتن الداخلية وحروب الأطراف في فلسطين ولبنان كان أخطرها الحروب المفروضة على العراق منذ عهد الشاه إلى غزو نيسان عام 2003.

إن العصر الكوني الجديد هو تحول نوعي لتداعيات تطور الرأسمال التقني التراكمي ونشاطه الاستثماري في العالم، اتخذ فيه هذا الرأسمال أبعاداً وقدرات غير محدودة، كان من الطبيعي أن ينتج عنها تشكل قوى جديدة، وبدء غياب أخرى كان لها دورها في الساحة العالمية. فلقد تحجمت في هذا الوضع الجديد منظمات الشرعية الدولية، التي نشأت عقب الحروب الكبرى، من أجل حفظ الأمن والسلام العالميين، وفق شرعة معلنة متفق عليها، وأصبحت تميل إلى تنفيذ مصالح الرأسمال العالمي وشرعنة ممارساته القووية، ومجانبة مصالح الشعوب كما في فلسطين ومناطق العالم المستضعفة والعراق . كماانخفضت في هذا الوضع الجديد القدرات المناهضة لدى الشعوب، ضمن أنظمتها المكرهةً على التبعية، من أن تكون فاعلة على المستوى الاقتصادي والتحريري والسياسي.

ومن مفاعيل هذا التغيير إعادة تشكيل الأنظمة السياسية وإنشاء علاقات دولية جديدة؛ منها الدعوة المروّج لها لتشكيل مايسمى الشرق الأوسط الكبير، حيث يتجزأ فيه القطر التابع إلى وحدات دون قطرية تتبع المركز الرأسمالي في علاقاتها الحيوية، وتلحق تلك الوحدات المجزأة إلى منتظم سياسي شكلي مابعد قومي لتخديم سوق اقتصادية عالمية مفتوحة؛ تخضع المناطق المتخلفة فيه لعمليات نهب واسعة خلال عمليات تسويق البضائع استيراداً وتصديراً. حيث تنعدم الانتاجية الحقيقية لبلاد السوق المجزأة والمحدودة القدرات، وتبعا: استحالة قيام مجتمع مدني، لتذوي بعدها نهائيا قدرات هذه الشعوب.

يبدو أن الادارة الأمريكية، في وضعها كخادمة للرأسمال العالمي ومنفذة لسياساته، تعمل على تنفيذ مخطط هذا الرأسمال بدءا من العراق نموذجا، ليمتد الى شعوب المنطقة الواسعة من حدود الصين الى المحيط الأطلسي، حيث تذوي فيه وحدة الشعوب والقوميات والدول، لتستيقظ على ما قبل النظام الدولتي أساس قيام المجتمع، على الفوضى واقتتال المذاهب والطوائف والاثنيات والقبائل.

اننا لن نستطيع الخروج من هذه المأساة، دون العودة الى روح 23 تموز/يوليو، التي أرست مبادئ التحرر وتقدم الشعوب في المنطقة والعالم، وأكدت أهمية تحرك الشعوب وكفاحها في صنع المستقبل، لقراءة تراثها على ضوء ما استجد من وقائع وأحداث، لاستكشاف السبل الجديدة الملائمة للتحرير.

إن إمكانية العودة إلى مسار تحرر الأمة العربية، يكمن في اعتماد المنطلقات التي رسختها ثورة تموز/يوليو، وفي الاقتداء بنهجها لمعرفة أسباب التخلف وأساليب الارتقاء بالانسان العربي الى الآفاق.

إن وقف العدوان الكوني، المسلط من قبل التحالف الغربي على الشعوب المستضعفة، هو في عالمية الكفاح بدءا من المواقع الساخنة في العالم، وهو في قومية المعركة، وفي وعي الشعوب العربية وارتقائها الى مستوى الفعل الممارس ضدها، وهو في العمل على احتضان المقاومة في كل من فلسطين والعراق.