.. سليم نقولا محسن ..

إلى جبهة واحدة يا شعبنا المقاوم لنخوض مع كل شعوب الأرض المرهقة المعذبة، كفاحا لا يهدأ حتى تتحقق إنسانية الإنسان في العالم وعلى أرض فلسطين والعراق ولبنان

الاثنين، شباط ٢٦، ٢٠٠٧

لغةٌ طائفيةٌ عرجاء في احتفالات حرب الأضاحي، وسلامٌ مخطوف

سليم نقولا محسن
24/01/2007

الحائط مسدود، والفعل أشبه بالمراوحة في المكان، هذا ما يمكن أن يخلص إليه المراقب للوضع السياسي العربي، وذلك على عكس ما توحي به الأنشطة المكثفة لبعض الرسميين العرب، أو من ينوب عنهم في تنقلهم بين العواصم، إذ منذ انفصال النظام الرسمي عن الواقع الشعبي، إنتقل القرار الرئيس بتفاصيله إلى عواصم القرار وارتبط هو بها. هذا إذا استثني احتمال الفعل المُقاوم (الجهاد) كخيار يمكن أن تلجأ إليه الشعوب لضمان حقوقها أو لاسترجاعها كما الشعب في فلسطين والعراق ولبنان.
أما وقد أصبح وضع السياسيين المناط بهم ضبط شعوبهم على ما هوعليه، فليس لعاقل أن يعتقد أكان من الشرق أو الغرب, أن لإنسان المنطقة، في حالته هذه، دور في مجريات ما يحصل فيها من أمور ترتبط في طبيعتها بالمتغيرات المتلاحقة للأوضاع العالمية، وبما تنتجه من انعطافات سياسية حادة، تجعل هذا الإنسان إن لم يكن سلبيا اتجاهها، فله دور المنفعل، وهذا الوضع لن يقبل به أو باستمراره الشباب العربي المعاصر، بأن يَبقى فيه معطلا في الوطن، أو مساقا إلى المذابح، أو مستنزفا في المهاجر.
وعليه فإن ما تشهده المنطقة الآن من توترات وصراع وفتن وحروب عبثية ليس بجديد. إنما يندرج ضمن صيغ مشروع عالمي غرضه استكمال سياسات النهب الماضية بإعادة إحياء لغة التآمر، واستخدام مراسم القوة، بهدف إخضاعها. وذلك لاستغلال موقع المنطقة الجيوسياسي لاستخدامها كمركز ومعبر إلى الشرق، وكمنطقة ثروات استراتيجية واستثمارات مفتوحة. وهذا كان بدأ منذ زمن بعيد، واتخذ خطواته الملموسة المباشرة منذ ما قبل بداية القرن التاسع عشر.
لذا فإن انتشار الأصوات الصارخة بادعاءاتها المتعددة بالحرص على تحقيق مكاسب انفتاحية ضرورية ومطالب ملحّة للشعب أو لجماعات معينة، بحجة تحسين شروط معاشها الإنساني، وتحقيق مطالبها المحقة كجماعات مضطهدة مغبونة، بالانفصال وإقامة كياناتها السياسية. يبقى في أجواء الإستهداف المحيطة قول لا معنى له، ولا يختلف في غاياته المبيتة ودوره عما قامت به الجماعات التي رافقت قوى التحالف الأمريكي في غزو العراق واستباحته ثم اتخذت شكل السلطة القابعة الآن في المنطقة الخضراء من بغداد.
وكذلك الأمر فإن الإصطفافات الحزبية والإثنية والطائفية والقومية المتزاحمة وفوضى تعبيراتها، ليست سوى تحركات مفتعلة لا علاقة لها بمصالح شعوب المنطقة، وإنما غاياتها إيجاد تكتلات بشرية متضادة قابلة للتقاتل في ما بينها كأدوات مجانية لفعل التدمير الذاتي.
فإذا أسقط العرب مفردات الخطاب الثقافي السياسي الموجه بخبث إليهم والمَشاهد المصورة المرافقة له، التي يضخها الإعلام على تعدد انتماءاته وأنواعه؛ لن يتبقى لدول الغرب المعادية، ومن هو ملتحق بركبها، صفة يحمدون عليها، أو حصانة يمكن أن يختبئوا خلفها. وربما يكون هكذا إجراء هو الأفضل لحاضر شعوب المنطقة ومستقبلها، بما يمكن أن يتيح لأهلها من مجال لرؤية حرة، وتبصر أشمل في ما يجري حولهم وفي حقيقة أمورهم والحكم عليها وفق منظورِهم وبالتالي إلى إمكانية التعامل مع حيثياتها ومعالجتها على نحو أفضل.
إذ أن ما حسمته الوقائع الميدانية، ليدلل بوضوح لشعوب المنطقة ولأحرار العالم إلى أن عصابات إجرامية ذات طابع دولي، تتخذ صفة إدارات وسلطات دول وهيئات عالمية تدعي العدل والسلام، قد اتفقت في ما بينها على غزو المنطقة لتخريب عمرانها وإجراء أفعال إبادة ضد سكانها ابتداء من العراق بقصد احتلال الأرض والتصرف بها، بما يتفق وتنامي حاجات مشروعها ذي الجوهر الإغتصابي. فأقدمت بتاريخ 9/ نيسان/2003 على احتلال بغداد بالقوة القاهرة، وعلى إزاحة سلطتها الشرعية وأحلت مكانها افرادا من عصابات ملتحقة بها للتصرف، بالإتفاق معها، بشؤون العراق وشعبه. وبما أن الباطل لا ينتج سوى الباطل، فقد أقدمت هذه العصابات مجتمعة في غرة عيد الأضحى المبارك لعام 2006 ووسط ضجيج إعلامي، تجيد إدارته، على جريمة اغتيال رمز دولة العراق الحديث، ورمز مشروع تحرر العرب ونهضتهم رئيس الجمهورية صدام حسين المجيد.
وكما هو واضح فلقد اعتمد مسلسل وقائع الجريمة الحاصلة في خطوطه الرئيسية وبعض من تفاصيله رواية صلب السيد المسيح عيسى بن مريم كما اوردتها المصادر الإنجيلية المسيحية (كشاة سيق إلى الذبح) في استعادة مقصودة لميثولوجيا الإنسان الفادي وفكرة الضحية والفداء، بما يؤكد بأن من خطط ورسم مشهديات الجريمة، هم لاعبون محترفون أمريكيون (مسيحيون ويهود)، وليسوا من الأجراء المحليين الأغبياء، وذلك بقصد إيقاع أكبر قدر من الصدمة لدى الخصوم والأتباع لإيصالهم إلى الذروة الإنفعالية، وبالتالي رفع وتيرة الفعل الصدامي الحالي أو المستقبلي.
وعلى مسار آخر، فإن التورط باستحضار مثل هذه الميثولوجيا، وإن كانت في أساسها ذات منشأ محلي، فإنه يفضي تلقائيا إلى استكمال منطقها وتداعياته - الرافض للبطل الميت - واستتباعه بقيامة جسد الرئيس صدام النوراني من القبر، وطوافه على مريديه والأخيار من أهل العراق والعرب وترائيه لهم، وحثهم على قتال الأشرار والإقتصاص من الظالمين لإحقاق العدل وإقامة مجتمع الحق.
ومما لا شك فيه أن الرئيس صدام كان مسلما سنيا لديه مشروعه الوطني العربي، الذي سعى إلى تحقيقه وفق ما كان يعتقده من منظوره أنه الصلاح، وقد شاهده الجميع وهو يُحاكم، وهو يسير بخطوات ثابتة شجاعة إلى الشهادة والقرآن ظاهرا في يمينه. إلا أن أحدا لم يلحظ رجلا من "غلاة الدعاة إلى الإسلام" على اختلاف شيعهم قد وقف للدفاع عنه، أو قال في حقه قولا حميدا بمن فيهم "الداعين" من جوانب الأرض وأطرافها إلى طرد اليهود والكفار الصليبيين وتطهير دار الإسلام. بل أن تناغما بين الأضداد كان سائدا، واتفاقات ضمنية خفية كانت تجمع القيمين على دولة إسرائيل وقيادات دول الحلف الأمريكي مع قيادات بعض دول العرب والجوار، وبينهم يتوزع التابعون من زعماء الفصائل والميليشيات وأمراء الحرب. بما يعنيه هذا الموقف من إنكار لمفهوم الدولة الوطنية المقاومة لصكوك الإستسلام وإدانة لمرحلة هذه الدولة، بل وإلى تأكيد هذا الموقف بما ظهر من قبلهم أنه موافقة ضمنية على اغتيال صدام حسين رجل دولة الحداثة ورئيس جمهورية كل العراقيين، وبالتالي إلى اعتبار الرئيس مجرد رجل من طائفة لها مشروعها المختلف كما لغيرها على أرض العراق، وذلك للمضي بنزع الحالة الوطنية التوافقية لشعب العراق المقاتل وعن طبيعة الصراع القائم بين احتلال غاصب ومقاومة تحريرية ومصادرة مفهوم هذه المقاومة، لإحلالها لاحقا بأجواء الصراعات الإثنية والطائفية الإستئصالية المتقاتلة لصالح مشروع تصنيع الفوضى، وإحداث سلسلة الدول الجديدة من العراق وفلسطين إلى كل بلاد العرب.
وكما يبدو فإن الجريمة لا تقتصر فقط على اغتيال الرئيس ورفاقه، التي كان قد أعِد لها منذ زمن بعيد، بل في استغلال حَدثها لاستخدامه في جرائم كبرى تطال كل العرب، لذا كان الإختيار المحسوب لتوقيتها لجعله بمثابة إعلان لتقدمة الرئيس (كضحية) "هدية عيد" إلى الشعوب العربية في دلالتها المتحدية الوقحة على أنها قادرة أيضا على قتل مشروعها النهضوي وإماتته، نظرا لما كان يمثله الرئيس لشعب العراق والمنطقة والعالم من مبادئ وثوابت تعتمدها، ولما تأمل هذه الشعوب في شخص الرئيس إمكان تحقيق أهدافها بإحلال العدالة والسلام والتقدم والرفاه، وبما يحمله هذا التصرف الإجرامي من معان حقدية في اللغة الطائفية الإثنية العرجاء السائدة وما يرمي ويدفع إليه من إشعال لحرب الأضاحي المتقابلة.
وبما ان هذه الجريمة تقع مسؤوليتها على هذه العصابات بأشخاص من يمثلونها، لذا يقضي الواجب الأخلاقي كموضوع يرتبط بمصلحة بقاء الجماعات البشرية واستقرارها ملاحقة هؤلاء المجرمين والإقتصاص منهم لتحقيق العدالة، واجتثاث المنظومة العقلية المدمرة لموضوع الواقعة الجرمية وأصلها حتى لا تتكرر، وعليه فإن مثل هذه الجريمة لا تسقط بزوال أشخاص هذه العصابات الحاليين ومن والاهم ومن اشترك معهم لقاء أجر معلوم أو مأمول في تحضيرها وتنفيذها، وإنما تمتد إلى من سيعتبرون بأشخاصهم إستمرارا لتواجد هذه العصابات وأمثالها.
إنه صراع عالمي إذن قد تورطت بحوادثه المأساوية كل شعوب العالم. وكما هو واضح فإنه صراع مفتوح بين قوى الخير المسالمة وقوى الشر الباغية، اللتان تستندان في تقابلهما العدائي المتقاتل إلى مفهوم كل منهما الحضاري والقيمي المختلف، كمثل الراعي وزارع الأرض في الميثولوجيا القديمة قصة هابيل وقابيل التوراتية.
وبما أن الدول الكبرى لم تعد في تكويناتها الحديثة، التي آلت إليها، مُدّخِرة ومراكِمة للرأسمال ومتحكمة بمسار استثماراته حتى داخل دولها، فإن إداراتها بالمعنى التاريخي، قد فقدت على ما يبدو ميزة امتلاك مشروعها الحضاري الذاتي وإدارته، وتحولت في أفضل أحوالها إلى أدوات تهديمية لخدمة ذاتها أو الرأسمال بالأجرة (العراق نموذجا). فالصراع إذن هو بين قوى تهديمية قاهرة متحكمة، تمنح لقدراتها الإجرامية الفائقة مفاعيل الشرعية الأخلاقية في تبرير مواصلة أفعالها وأفعال أجرائها ضد شعوب الأرض المحبطة المستنزفة والسائرة إلى دوامة الفناء. غير أن هذه الشعوب من ناحية مقابلة، كقوى سلامية بطبيعة تكوينها الحياتي، لا يمكن أن ترى لها خلاصا إلا بترسيخ حق العدل وضوابطه الناظمة حسب المفاهيم والأعراف الإنسانية المتوارثة، بما يرتب على الجماعات البشرية المتنوعة الساكنة في المنطقة مهام التنبه إلى ذلك والعمل على إبطال كل مفاعيل المقولات الإستنسابية المُروج لها، هذه الداعية والمحرضة على التقاتل في ما بينها لإزاحة بعضها البعض من أجل أراض وثروات لن تملكها.
ولعل الدراسات الاستراتيجية الغربية، القديمة الجديدة، المُسرّبة إلينا والتي تنبئنا بإعادة تشكيل ورسم حدود دول المنطقة بحجة إنصاف من قد لحقه الغبن من شعوب المنطقة، تهدف الى ترويض ذهنية المنطقة لقبول افكار الإخضاع الجديدة. وتندرج أفعال من يعمل لهذه الحدود في سياق تنفيذ مصالح الغير. كما تؤكد مثل هذه الأفكار بأن معظم سلطات القوى الفاعلة الحاكمة أو المؤثرة الاقليمية لا تمتلك حقيقة حق التصرف بشؤونها أو قراراتها، وبالتالي فهي لا تمتلك لاهي ولا جماعاتها المُجيشة التابعة المتوزعة في المنطقة مشاريعها التوسعية أو الثورية الخاصة بها بصفتها الإثنية الأمبراطورية أو الطائفية، وإن بدت الأمور في توتراتها الصاخبة على خلاف ذلك.
وأن هذه التحركات الصاخبة بادعاءاتها، ليست بالحقيقة سوى مشاريع القوى العالمية وعصاباتها وإداراتها على الساحة الإقليمية، وتمتلك وحدها خفاياها وحق إدارتها، وإن ما نشهده من اضطرابات على الساحة العراقية والفلسطينية واللبنانية، وضغوطات تتناول المسألة الإيرانية ومحاصرة للدولة السورية، إنما هي مؤشرات قد تنبئنا عن تحضيرات لشيء ما مرتقب تتعاون على إنجاحه الأضداد، ربما كان من مقدماتها جريمة اغتيال الرئيس صدام حسين.
وإن هذا يقضي على الشعوب وقياداتها بذل الجهود لتعميق الدراسات حول طبيعة الصراع العالمي الجديد وسبل مقاومته، لإيجاد أدوات التحرك لإسقاط تلك المشاريع وكل الإدعاءات البهلوانية المُحرّضة، التي يطلقها بالإتجاه المغرض الخاطئ بعض السياسيين والحكام الإقليميين عبر أدواتهم الإعلامية، وبما ان مثل هذه المخططات المشار إليها تتناقض مع طبيعة شعوب المنطقة التوافقية ووحدتها التاريخية، وأن تنفيذها قد يكون مستحيلا باستخدام طرق السياسة التقليدية، لذا فإن ما نشهده من منازعات فئوية أو إقليمية مصطنعة بمسمياتها البدائية، التي يصعب على الوضع الشعبي المحلي تحليل أسبابها والمدهوش لحدوثها، إنما قد تم حدوثها باختراق الجسم المجتمعي. وذلك باستخدام آليات معقدة مغايرة، تستخدم نتائجَ نوعية لدراسات علمية متقدمة، تتعلق أبحاثها بالسيطرة على الشعوب وتوجيهها، غفلت عن التنبه لها شعوب المنطقة المرهقة وقياداتها.
وبما أن تنفيذ ذلك يحتاج إلى مقولات تخريبية، نظرية وعملانية جاهزة، مبرمجة، متدرجة في وجباتها التصعيدية، مقبولة بصيغها التعبيرية اللامعة المُبسطة، كأمثلة (المشروع الديمقراطي، إنصاف الطوائف والإثنيات المغبونة، التخلص من الديكتاتوريين الطغاة، تحقيق مجتمع الرفاه) لضمان إحداث ردود الأفعال الإنفعالية المتتابعة المطلوبة، فلقد عمدت هذه القوى التدميرية على تسويق هذه المقولات بطرق مختلفة وبتواطؤ مع أجهزة محلية وشخصيات من تجمعات سياسية عميلة أوغبية، وباستخدام وسائط إعلامية ذات تقنيات عالية، أكثرت من نشرها في المنطقة، كما عمدت إلى تعزيز طروحاتها التهييجية عبر افتعال بعض الأحداث المتناثرة - في المركز والأطراف - فئوية أوطائفية أو إقليمية وتضخيم أحداثها ومراكمتها لخدمة المسار المطلوب.
ولقد استطاعت هذه عبر استهدافات متلاحقة لمنطقة ما إلى التشكيك حتى في الحقيقة الطبيعية المعاشة لسكانها، ومن ثم إلى تغيير حتى معنى المفاهيم القيمية المسلم بها لديهم، وذلك بقلب معايير تقييمها من نافعة صالحة لسلامة مجتمعهم إلى طالحة، ليصبح تدميرها وأيضا المجتمع الذي يحملها مطلبا أخلاقيا. على سبيل المثال: في تخريب كل ما أنجزته القيادة العراقية في مشروعها العربي التقدمي من مكاسب لشعب العراق، أكان ذلك في مجال بناء الهيكلية الإقتصادية الإنتاجية للوطن العراقي بما يتطلب ذلك من جهد تهيئة الكوادر العلمية التخصصية، أو في مجال وضع أسس الدولة السياسية واعتماد النهج العلمي لبنائها كحاضنة عادلة لمواطنية كل شرائح المجتمع المُنتج على تعدد وتنوع إثنياته وطوائفه، بما حقق إنجاز ذلك من حصانة للوطن وضمانة لمستقبله، وايضا كل ما جهدت في الحفاظ عليه لترسيخ السلم الأهلي عبر تصديها لفتن الداخل، أو في بناء جيش وطني قوي كان له شرف خوض حروبها دفاعا عن الوطن ووحدة أراضيه، وعن أمن وسلامة كل شعب العراق وثرواته وإنجازات أبنائه.
وهكذا استطاعت قوى التدمير العالمية، أن تظهر كل صوابية أحكام قيادة شعب العراق وإنجازاتها البنائية الصالحة كأعمال عبثية، أنتجتها عقول ذات أحكام خاطئة، بعد أن كانت قد مهدت هذه القوى لذلك، إضافة إلى كل ماسبق ذكره، بنهج اتبعته يعود إلى ما قبل سنوات الحرب والحصار، كان يعمل بدأب على تقصي الأخطاء وتضخيمها وعلى تمرير ما تستقدمه آلتها من أساطير وقصص خرافية تخص شعوبها الهمجية ومعتقداتهم عن عوالم الشر الساكنة في بلاد بابل (العراق) وإلى تحويرها وتوليفها، بما يناسب توظيفها بإلباسها للقيادة العراقية ولشعب العراق لتشويه كل سنوات النضال.
وبغض النظر عن الملابسات التي تحيط بانفلات الوضع الإعلامي واسباب شراسة عدائه للقضايا المصيرية، ومدى تأثير ذلك أو عدمه على الساحة العربية موضوعه، يبدو هذا الإعلام العامل في المنطقة من المقترب المهني، وكأنه غافل عما سبق أن ورد من حيثيات تستهدف المنطقة, إذ لم يزل يتعاطى مع الحدث وتوصيفه المغرض كناقل ببغائي للخبر، ولم يزل رغم الدمار المشاهد، وحالة الإحتقان المتصاعد ومآسي التقاتل والتصفيات القائمة بين الفرقاء، يظن بأنها نتائج طبيعية لمجتمعات قاصرة ينتابها الجنون ورغبات الإنتحار. وربما كان الضياع والفوضى السائدين من أسباب تفشي ظاهرة تواري السياسيين، وفراغ الساحة، مما ساعد هذا على اختلاط الأمور لدى العاملين في الإعلام، فاعتقدوا بقدسية رسالتهم، وبأنهم أصحاب القرار، بما هو صالح وما هو طالح، وأن منابرهم بمن تستقدمهم صالحة لإصدار المشورة والأحكام، لما هو أبعد من حدود سكن هذه الشعوب، وعند إيماءات وألسنة هؤلاءالصحفيين وأنصاف المثقفين وأميي السياسة، يقف العالم أو يسير، فتقيّم الأحزاب والطوائف والجماعات والسلطات السابقة والقائمة، كما يقيّم في بازارهم الرخيص القادة التاريخيون من سعد زغلول إلى يوسف العظمة والقسام، ومن عبد الناصر إلى بن بلا إلى صدام. فيحلوا لهم الكلام وأن يضحكوا إن جاء ذكر هؤلاء أو أن يستهزئوا، أو يلعنوا، فليس من رقيب عليهم أو حسيب، فيوصّفون الخونة بالأمناء، والإمّعات بالأبطال، ومن هم سارقون مجرمون بالصالحين والحكماء، وعلى ما يظهر فإن هؤلاء سائرون على نهجهم هذا إلى ما شاء الله وفي إتحاف من هم تحت مرمى أنظارهم ومسامعهم بما يشيرون أو ينطقون.
ربما هم لا يعقلون، وتبعا لا يعون مقدار خوائهم وسقوطهم، وبأنهم مكشوفون أمام هذه الشعوب، بأن أقلامهم مباعة وصراخ حناجرهم مدفوع اجره، وأنهم كمرسلون إلى الناس على الورق أو الهواء، قد أصابوا الناس بداء الغثيان، وأصبحت عواهر الطرقات بكل ماتحمل من وزر حرام أبهى وأنقى وأطهر، من قدودهم المختالة بألوان كسائها، ومن وجوههم العابسة أو المبتسمة بكل طلائها.

إلى مَن يَدّعي الحِرص على الحقيقة والموضوعية
من الإعلاميين العرب

سليم نقولا محسن

من المؤسف أن بعض الأجهزة الإعلامية، من باب الحرص على إشاعة مناخات الحرية والديموقراطية، قد أفسحت المجال، لأن يعمد الإعلاميون لديها من صحفيين ومذيعين ومقدمي برامج على أن يستضيفوا في برامجهم الحوارية أنصاف مثقفين وأميي سياسة أو مغرضين. يتكلمون فيها بمختلف المواضيع، دون مسؤولية وكيف شاؤوا، ومنها الأمور السياسية والإجتماعية، يتناولون فيها الرموز الوطنية التاريخية أو المعاصرة. فيقيمونها ويمنحونها الألقاب والأوصاف، ويطلقون عليها الأحكام، فيثيرون بذلك حمية أهل المذاهب السياسية والطائفية ويشعلون الفتن بتأليب الطوائف على الطوائف والأحزاب على الأحزاب والقوميات على القوميات. وبما أن مثل هذه الأمور هي على قدر كبير من الدقة والحساسية، فمن باب الأمانة نأمل بأن لا يتناولها إلا من هم على دراية من أصحاب الإختصاص، أو من هم في مواقع المسؤولية الوطنية القومية والسياسية.

وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نشير الى أن صدام حسين كان الرئيس الشرعي لجمهورية العراق. وقد عمدت معظم الدول الآخذة بالنظام الجمهوري إلى تحديد موقع رئيس الجمهورية وصلاحياته في نصوصها الدستورية، وإلى اعتباره رمز وحدة الوطن، يسهرعلى احترام الدستور والمحافظة على استقلال البلاد ووحدة وسلامة أراضيها وفقا لأحكام الدستور، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا تبعة عليه إلا عند خرقه الدستور وفي حالة الخيانة العظمى.

فإذا كان يتوجب على رئيس الجمهورية تطبيق أحكام الدستور، فإن الإخلال والتلاعب بنصوصه والتقاعص عن تطبيق مضمونها، يُعَد خرقاً له, ويُعرّض مرتكبه وهو الرئيس إلى المحاكمة والإدانة بتهمة خرقه الدستور والخيانة العظمى.

وتأسيسا على ما سبق وفي دراسة موضوعية متفحصة، يُلاحظ بأن العراق دولة أنشئت ورُسمت حدودُها بقرار ساهم في إصداره دولا، وهيئات دولية تابعة أنشأتها الدول العظمى آنذاك. وأن العراق يمتلك ثروات ولموقعه أهمية استراتيجية كبرى، لذا أحاطت به الأطماع الدولية والإقليمية. إذن فهو بالمعيار السياسي مشروع دولة على أبنائها أن يسعوا إلى استكمال بنائها.

وقد تعرض العراق عمليا منذ بداية وجوده الحديث إلى سلسلة من المؤامرات تنوعت أساليبها، فمن الضغوطات والتهديدات عليه إلى الاختراقات العملانية لزعزعة كيانه وإخضاعه. كما لم تنفك القوى الخارجية ذات المصلحة، عن التغرير ببعض أبنائه لتجنيدهم كعملاء لها في الداخل العراقي، ومن ثم إلى دفعهم للقيام بأعمال التخريب والتحريض والإرهاب ضد وطنهم. كان منها المحاولات الدائبة لإضعاف الشعور الوطني وشق صف الشعب، لصالح مشاريع أخرى، ما كان من شأن ذلك إشعال نار الفتن وإخراج البلاد على البلاد، لانتزاع أراض منها وهدر وتدمير ثرواتها والتسبب بقتل أبنائها.

ومن الواضح فإن جميع هذه الأعمال العدوانية المُحَرََّض عليها خارجيا ومن في حكمها، إنما تندرج ضمن جرائم الخيانة، لما كان من فعلها التعرض لاستقلال البلاد ووحدة وسلامة أراضيه، التي كان من واجب رئيس الجمهورية بموقعه وطبقا لصلاحياته الدستورية التصدي لها وإحباطها وتقديم القائمين عليها إلى العدالة لنيل جزائهم.

وليس من الغريب أن يكون لجميع هؤلاء الخونة، من جواسيس وعملاء وتجار حروب وسماسرة وسُرّاق وقتلة ومتلاعبين بأقدار البلاد والعباد، مصلحة كبرى في تخريب دولة العراق، وأن يكونوا المتضررين الفعليين من بقاء وحدة البلاد، ومن التطبيق الأمين لأحكام الدستور، وبالتالي أن يكونوا المتضررين الوحيدين من بقاء صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.

لذا لملم هؤلاء، ومن يتبع سلالتهم، تاريخَهم الإجرامي المخزي المليء بأجساد الضحايا العراقيين الشهداء، من معارك الجيش العراقي البطل في الحربين الإيرانيتين المفتعلتين دفاعا عن حدود الوطن، ومن شهداء الجنوب في مؤامرة الفرس الكبرى لتقسيم العراق، ومن الشهداء العراقيين الأبرار في الدجيل وحلبجة والأنفال، ومن شهداء الحصار، وشهداء قصف المدن من الأطفال والشيوخ والنساء. فعمدوا من مواقعهم التآمرية الطامحة بالتعاون مع محترفين من أسيادهم طيلة سنوات، إلى تلفيق وتأليف وتوليف قصص وأساطير كاذبة من وحي محارق بني إسرائيل التوراتية، زيفت فيها الحقائق وقلبت بها الوقائع والأدوار والقيم، لتسويق أنفسهم كأبطال، باكتساب شرعية البطل صاحب الحق المضطهَد. وهذا كله لا صحة فيه، كما أفادت بذلك وأكدته الدراسات الأكاديمية المحايدة التي تناولت هذه الإدعاءات. ولم يزل هؤلاء يواظبون على عرضها في العالم على مسارح النفاق، ولم يزل يصفق لها ولهم الأغبياء.

وما هو جدير بالملاحظة، أن دول الحلف الأمريكي التي أقدمت على غزو العراق كرسولة سلام للإنسانية، بمزاعم حرصها على السلام والأمن العالميين ووقف خطر الإرهاب، وبمزاعم تحرير شعب العراق وسلامة شعبه و جعله نموذجا بإقامة الديمقراطية فيه. وبرغم ذلك، لم تستطع هذه الدول بكل قدراتها، على امتلاك حيثيات وأدلة يمكن أن تؤدي إلى إدانة الرئيس صدام حسين. أكان بالتوصيفات الكاذبة التي أطلقتها عليه من كل منابرها، أو بالإتهامات الباطلة التي ساقتها وادعتها بحقه، لتبرير خطفه بعد غزوها العراق. وإلا لما توَرَطت هذه بإقامة محكمة صورية هزلية في العراق، تتلاعب في حيثياتها وأشخاصها وأحكامها، وتُعَرِّّض من خلالها سمعتَها ومصداقيتها أمام شعوبها والعالم إلى الإدانة. ولسَعَت هذه إلى إنشاء محكمة دولية، أو شبه دولية، أو ذات طابع دولي، في العراق أو في دولة محايدة، تتوافر فيها شروط المحاكمة العادلة. ولوضعت أمام قضاتها، وهي الآمرة الناهية بغير تفويض، الرئيس صدام حسين المجيد رئيس جمهورية العراق الشرعي، لمحاكمته وإصدار حكم بإدانته، تنفي من خلاله ما تُتهم به وتُدان، وتؤكد في إدانة الرئيس، إن حصلت، صدقَ مقولاتها وادعاءاتها عن العدالة والديمقراطية، أمام الله التي تتبجح بالإيمان فيه، وأمام شعوب العالم.

13/ كانون الثاني/ 2007
إهتداءات إبنِ آيا الدمشقي (7)
التَسَلُط
يَقولٌ إبنُ آيا:

* أخبَرَتْني لَطيفةُ الوَجهِ عَن زَمنٍ لم يَزَل ساكِنَ الجفنِ
عن أنهُرٍ عَظيمةٍ زارَت أوديةََ الخُلدِ
وعن اغتسالِ الغيدِ في الغدير، وسَمَرِ واحات النَخلِ
عن سِرِّ عِشقِ الغواني، وَغَزلِ الرجالِ.
فلا عِناقاً إن لم يُدحَر الغَزْو ولا حُباً إن لم تُثمِر الأرْضُ
أخبَرَتْني لطيفةُ الوجهِ:
عن حفيفٍ لقوافِلِ الثَراءِ العابرة بَينَ بَحرِ الشَرقِ والغَرْبِ
عن يوسف الحسن وإخوتِه السَبع، وموسى الأول وأخيه الناطقِ، والبهاءِ
والشعبِ الكافرِ بالنصرِ
عن عِفّةِ البَغايا في مَعابدِ الخَصبِ
وقُدْسِ فاطمة الحاضِرَة وخلودِ مَريمِ البكرِ
عن النِساءِ الباكياتِ في مَحافلِ المَوتِ، والضارعاتِ إلى العُلا
في مَزاراتِ النُسكِ
عن المَباهِجِ في زَفِّ شَهيدٍ مُبارَكٍ
يُرْفعُ فَوقَ الرؤوسِ مِن كَفٍّ إلى كفِّ
عن مُدنِ كربلاء في الحَواضِرِ وبينَ مَكة والقدس
هذا ما أخْبرْتُ مِن لطيفةِ الوَجهِ في زمَنِ الصَمتِ
عن زمَنٍ لم يَزلْ ساكِنَ الجفنِ

يَقولُ إبنُ آيا:

* بعد أن تَسَلط على أرضِ العِزةِ الفَحْلُ
ورَفَضَ أن يُقَدِمَ الصَغيرَ ذبيحةً، أو إبنَهُ البكر
أمحَلتِ سَبعاً مِنَ السِنينِ الأرضُ
بَعدَ أن تسَلطَ الفَحلُ، وَقبِلَ أن يكونَ رَمزَ الفِداءِ
الكَبشُ المُسَمَنُ ، والعِجلُ
انتَظرْتُ آلافَ الأعوامِ
صُلِبْتُ آلافَ المَراتِ
وآلِهَةُ الحَربِ ، لم تُنهِ،
ولا ذريةُ الكذِبِ لأنبياءِ الخُرافةِ والدَجَلِ
عَن وأدِ الضَحايا البكرِ

يَقولُ إبنُ آيا:

* بعدَ أن تَسَلطَ الفَحْلُ،
وجَدْتُ شَوكاً يَمْلأ حُقولَ التعَبِ
يُكلِلُ بالفَخرِ يَومَ الصَلبِ هامَةَ المَجدِ
والخصيان مشايعو التخصيبِ
يَرفَعونَ السَوط وعَصا التأديبِ،

يَقولُ إبنُ آيا:

* بعد أن تَسَلط الفحْلُ
لم أرَ في الساحاتِ غَيرَ لمْعِ السُيوفِ وآلاتِ الدَمارِ
لم أرَ غير احتراقٍ وقحطٍ وأجسادٍ مُنهَكةٍ تلتَصِقُ بأجْسادِ
لم أرَ غيرَ اغترابٍ واحترابِ
خلتِ الدُروبُ مِن ضَحايا مُضَرَجَةٍ مُثخنةِ الجراحِ
فلقد غابَ الوجودُ الأولُ وابتلعه وجودٌ آخر مَجنونُ
أما المَسامِعَ فَقَد انْفَتحَ صمّها
حينماالقراءات تفجَرَت
فَفي كلِ زاويةٍ لأسفارِ المُضاجَعَةِ تَرْتيلٌ
وعلى كُلِ رابية صائِحٌ كل صَباحِ
يَدْعو الأنامَ لِخَرابِ البلادِ

يَقولُ إبنُ آيا:

* بَعدَ أن تَسَلط الفَحْلُ
ملأتِ العَبيدُ الأرضَ
والإماءُ بَناتُ الحَريمِ انشغلنَ في خِدمَةِ القصرِ؛
بانجابِ خصيانِ القصرِ وعَبيدِ القصرِ والجواري وراعياتِ البَعير.
في بَريَةِ الفَحْلِ كَثُرَ النَمْلُ
في برية الفحلِ انتشرَ الوَباءُ
فالأرضُ خَرِبَة فلا زرعٌ ولا ضَرعُ
وَنَمْلٌ أسودٌ وأبيضٌ يَحفِرُ في العُمْقِ أخاديدا،
ويبني في المَجهولِ أقبيةَ جانٍ وَأشباحٍ
وَيُقيمُ لِلهوِ أبراجاً رَمادية
وأخرى تَتَعالى لمَزيدٍ مِنَ القَهرِ.

يَقولُ إبنُ آيا:

* بعد أن تَسَلط الفَحْلُ
نَبَتَتْ في الزَوايا أزهارُ الشَمعِ
وعلى الجدرانِ ارتَسَمَتْ لوحاتُ الذُلِّ
وفي الفضاء تطايَرَت غربانٌ،
تَنعي بَقايا مَراسِمِ الدَفنِ

خطابُ إبنِ آيا:

* أتعلمينَ الفرقَ يا لَطيفةَ الوَجهِ
بين زمَنٍ مَوسومٍ وَبَينَ الزمَنِ النائِمِ في الجفنِ
أنتِ نَعَم أنتِ، أنتِ السَلامُ ونَجمَةُ الدَهرِ
أنتِ يا مَليحَةٌ كَوْكبَةُ الدُرِ، وقِبَةُ ليلٍ مُرَصَعٍ بالفلِ
أنتِ مَنارَةُ الذهَبِ ومَدى أيامٍ مُترَفةِ العِزِ
يُنبوعٌ يَتفجَرُ في الأكوانِ حَياةٌ
فأرتوي مِنكِ يا لطيفةَ الوَجْه، وأثملُ مِنكِ
وتنظرُ إليكِ وحدكِ أنتِ كلُ الكائنات. ؟

سليم نقولا محسن.